منى الحمادي.. من ذاكرة البئر إلى قيادة العدالة المناخية

منى الحمادي.. من ذاكرة البئر إلى قيادة العدالة المناخية
لحج الغد – منصة «سَد»
لم تبدأ رحلة منى الحمادي من قاعات المؤتمرات الدولية أو طاولات المفاوضات المناخية، بل من قرية بني حماد بمحافظة تعز، حيث شكّل شح المياه جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، وكانت ولازالت النساء والفتيات يحملن عبء البحث عن الماء في رحلات شاقة تتكرر كل يوم.
في تلك القرية، وبينما كانت في العاشرة من عمرها، لم تكن تدرك أن مشهدًا واحدًا سيغيّر مسار حياتها بالكامل. فقد اعتادت مرافقة قريباتها في رحلات جلب المياه، وكانت ترى كيف تتحول كل “زفّة ماء” إلى رحلة مثقلة بآلام الرقبة والظهر والتعب، بالنسبة لنساء اعتدن حمل الماء كما يحملن أعباء الحياة.
لكن اللحظة الفاصلة جاءت عندما سقطت إحدى قريباتها داخل بئر أثناء محاولة استعادة دلو الماء، وكادت تفقد حياتها لولا تدخل عدد من المارة لإنقاذها. ذلك المشهد لم يغادر ذاكرتها، ومنذ ذلك اليوم بدأت تسأل نفسها: لماذا يحدث هذا؟ وكيف يمكن أن يتغير هذا الواقع؟
ومن تلك الأسئلة، وُلدت رحلتها مع العدالة المناخية، بعدما أدركت أن النساء والفتيات يدفعن الثمن الأكبر للأزمات البيئية، وأن البحث عن الحلول يبدأ بفهم جذور المشكلة.
- البدايات

وعززت خبرتها بالحصول على درجة الماجستير في التعاون الدولي والإغاثة الإنسانية، وخصصت رسالتها العلمية لدراسة أثر تغير المناخ على الوضع الإنساني في اليمن، لتجمع بين البحث العلمي، والعمل الميداني، وتحليل السياسات في مسار مهني واحد.
ومع اتساع خبرتها، انتقلت من العمل الميداني إلى التأثير في السياسات، لتعمل مستشارة في العدالة المناخية وتحليل السياسات، وتصبح واحدة من أبرز الأصوات النسائية اليمنية والعربية في هذا المجال.
واليوم تشغل منصب المنسقة الإقليمية المشاركة ونقطة الاتصال لتكتل المرأة والنوع الاجتماعي (WGC)، أحد التكتلات الرسمية ضمن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، حيث تعمل على تعزيز مشاركة النساء في السياسات والمفاوضات المناخية، وربط التجارب المحلية في اليمن بالنقاشات الإقليمية والدولية.
- صناعة الأثر
كرّست منى جهودها لتصميم وتنفيذ مبادرات تعزز قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع تغير المناخ، وتربط بين العدالة المناخية، وحقوق النساء، والتنمية المستدامة.

وأسهم المشروع في توفير مصادر مياه آمنة، وتشغيل أنظمة بالطاقة الشمسية، وإنشاء بيوت محمية وشبكات ري بالتنقيط، إلى جانب تدريب خمسين مزارعًا ومزارعة على تقنيات الزراعة الذكية مناخيًّا، محققًا أثرًا ملموسًا ورضًا عاليًّا بين المستفيدين، ومعززًا الأمن الغذائي وسبل العيش للمجتمعات المستهدفة.
كما شاركت في إعداد أول دراسة يمنية تربط بين تغير المناخ والصحة والحقوق الإنجابية، وأسهمت في إدراج توصيات النساء ضمن المساهمات المحددة وطنيًا لليمن، وقدمت برامج تدريبية لبناء قدرات النساء، من بينها تدريب متخصص لعضوات شبكة التضامن النسوي حول تأثيرات التغيرات المناخية على النساء.
- حضور دولي

كما شاركت في إعداد وثيقة مطالب نساء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قبل مؤتمر المناخ (COP28) وأسهمت في قيادة حملات مناصرة إقليمية هدفت إلى تعزيز حضور النساء في السياسات والمفاوضات المناخية.
وعلى المستوى الدولي، أعدّت تحليلات للمساهمات الوطنية المحددة لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من منظور النوع الاجتماعي لمركز ARROW، وشاركت في مؤتمرات المناخ العالمية، وقدمت مداخلات باسم تكتل المرأة والنوع الاجتماعي، كما عملت لثلاث سنوات ضمن لجنة تحكيم جائزة حلول المناخ العادلة الدولية.
وامتد دورها إلى المنظمات والمؤسسات الأكاديمية في هولندا، حيث قدمت محاضرات نقلت من خلالها الواقع المناخي والإنساني في اليمن إلى المجتمع الدولي، وأسهمت في إيصال صوت النساء القادمات من الخطوط الأمامية للأزمة المناخية إلى المنصات الدولية.
- تحديات وإصرار

لكنها واجهت تلك التحديات بالإيمان العميق بما تقوم به، والاستمرار في التعلم، والعمل ضمن شبكات نسوية ومناخية وفرت لها بيئة داعمة، وأسهمت في توسيع أثرها على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
وتؤمن بأن الحلول الحقيقية تأتي من الفئات المتضررة نفسها، وأن السياسات لا يمكن أن تكون عادلة أو فعالة إذا غابت عنها النساء والمجتمعات الأكثر تأثرًا بالأزمة المناخية.
- أثر مستدام

فعندما تصبح المرأة قادرة على الحصول على المياه دون أن تخاطر بحياتها، وعندما يمتلك المزارعون أدوات تساعدهم على التكيف مع الجفاف، وعندما تجد النساء مساحة للتأثير في السياسات الوطنية والمفاوضات الدولية، فإن ذلك يمثل بالنسبة لها النجاح الحقيقي.
كما تعتز بأن جهودها أسهمت في نقل صوت النساء اليمنيات والعربيات إلى دوائر صنع القرار، وربط العدالة المناخية بقضايا الحقوق والصحة والتنمية، بما جعل النساء شريكات في صياغة الحلول، لا مجرد متأثرات بالأزمات.
وتوجه رسالة إلى النساء الراغبات في العمل المناخي قائلة: “آمني بما تقومين به، ولا تنتظري الفرصة المثالية. ابدئي بما لديكِ، فكل خطوة صغيرة قد تصنع أثرًا كبيرًا”.
وتلخص رحلتها بجملة تختصر سنوات من الإيمان والعمل: “في العاشرة من عمري أمسكتُ بيد قريبتي على حافة البئر، واليوم أمسك بيد النساء جميعًا على حافة الأزمة المناخية، لأن النساء لسن ضحايا المناخ فحسب، بل هن أولى صانعات الحلول”.
- بروفايل

أُعدت هذه القصة الصحافية من قبل مؤسسة الصحافة الإنسانية (hjf)، ضمن مشروع “تضخيم أصوات النساء من خلال الإعلام”، بدعم من منظمة مبادرة مسار السلام، بالشراكة مع رابطة النساء الدولية للحقوق والحرية، وبتمويل من السفارة الهولندية.
– اقتباسات مقترحة تتبروز داخل القصة الصحافية.
-“النساء لسن ضحايا للأزمة المناخية فحسب، بل هن أولى صانعات الحلول”.
-“الحلول الحقيقية تأتي من الفئات المتضررة نفسها، لأنها الأقدر على فهم أزماتها وصناعة حلولها”.
– “في العاشرة من عمري أمسكتُ بيد قريبتي على حافة البئر، واليوم أمسك بيد النساء جميعًا على حافة الأزمة المناخية”.



