مقالات

*​حوار الرياض الجنوبي.. خارطة طريق نحو ” الإستقرار”

5_1_2026

أنسام عبدالله


​يجري الإستعداد في الرياض على قدم وساق الاعداد للقاء نخبة القوى الفاعلة التي تمثل العمق التاريخي والميداني والجغرافي للجنوب؛ بدءا من المجلس الانتقالي الجنوبي كقوة سياسية منظمة تمتلك زمام المبادرة، ومروراً بحزب الرابطة العريق ومكونات الميثاق الوطني ذات الرؤية السياسية الرصينة، وصولاًإلى العمق القبلي والمجتمعي الأصيل في مختلف محافظات الجنوب من المهرة وسقطرى شرقاً حتى باب المندب غربا ممن استجابوا لنداء العقل وأعلنوا ترحيبهم الكامل بدعوة المملكة العربية السعودية للحوار، ويتوج هذا المشهد حضور الرموز التاريخية الكبرى ممثلة بالعميد ناصر النوبة، مؤسس الحراك السلمي الجنوبي، لضمان أن الكتلة القادمة لن تكون مجرد تحالف سياسي عابر، بل “بنيان مرصوص” وصخرة صلبة تجمع بين حكمة الرواد المؤسسين وحيوية القيادات الشابة، مما يمنحها شرعية مزدوجة ..”شرعية الميدان وشرعية النضال التاريخي” .

​وفي خطوة استراتيجية تهدف لاستدامة التوافق، تم إشراك “اتحاد شباب الجنوب” والحركات الشبابية الصاعدة كطرف أصيل وشريك حقيقي في طاولة المفاوضات، لضمان ضخ دماء جديدة ورؤى عصرية تواكب لغة العصر في مفاصل القرار الجنوبي، إذ أن التطلع اليوم يتجاوز مجرد الحضور الشكلي؛ فالرهان معقود على أن يكون هؤلاء الشباب هم الحراس الفعليين لهذا التوافق الوطني، والقوة الميدانية الواعية التي تحول بنود “الميثاق الوطني” من نصوص مكتوبة إلى واقع ملموس في حياة الناس ، فالمستقبل الذي يُبنى اليوم في الرياض هو مستقبلهم بالدرجة الأولى، وهم الأقدر على حمايته من رياح التباينات .


​وتكتسب أهمية هذا الحوار زخما استثنائيا كونه يأتي في توقيت مفصلي، ليعمل كصمام أمان يسهم في إخماد فتيل المواجهات العسكرية وتجاوز التوترات التي شهدتها محافظة حضرموت مؤخرا . إن الجلوس على طاولة الحوار في الرياض يمثل مخرجاً سياسياً حكيماً يحد من الانزلاق نحو الفوضى أو الصراعات البينية التي لا تخدم سوى أعداء الجنوب، حيث يعمل هذا التقارب على توجيه كافة الجهود نحو البناء والاستقرار، ويؤكد أن الحوار هو الوسيلة الوحيدة والناجعة لترتيب البيت الجنوبي وحل الخلافات، بما يحفظ لحضرموت مكانتها وثقلها الاستراتيجي بعيدا عن لغة السلاح.

​من هنا.. نجد أن التفاؤل الحقيقي لا ينبع من مجرد اللقاء، بل من اليقين بأن الجنوب بوقوفه ككتلة واحدة صلبة، سيتحول إلى “بيضة القبان” والطرف المرجح في معادلة المنطقة بأسرها، فهذه الوحدة الاستراتيجية ستمنحه القدرة الفائقة على قيادة دفة الإستقرار في المحافظات الجنوبية، والسيطرة الكاملة على الملفات الإقتصادية والتنموية برؤية موحدة. إذ أن التحدث بصوت واحد وقوي أمام المجتمع الدولي، سيجعل من “القرار الجنوبي” رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه في أي تسوية سياسية شاملة، وبما يضمن تقديم الجنوب كشريك إقليمي ودولي معترف به، وموثوق لدى الجميع في تأمين الملاحة الدولية في أهم المضائق العالمية، وفي مكافحة الإرهاب بفاعلية واقتدار .

​من جانب آخر يمثل حضور العميد ناصر النوبة ومباركته الصريحة لهذا المسار رسالة “وفاء للماضي واستعداد للمستقبل”؛ فهذا الحضور الرمزي يغلق كافة أبواب التفرقة، ويؤكد للعالم أن جميع الأجيال الجنوبية، من الرعيل الأول الذي فجر ثورة الحراك إلى شباب اليوم الذين يحملون لواء البناء، متفقون على هدف سيادي واحد وهو انتزاع حقوق الشعب وتأمين مستقبله السياسي، كل ذلك يجري تحت مظلة أخوية صادقة توفرها المملكة العربية السعودية، التي تبرهن بوزنها الاستراتيجي أنها لا تكتفي باستضافة الحوار، بل تضع ثقلها السياسي والاقتصادي كضامن أساسي لنجاح المخرجات وتحويلها إلى مكاسب ملموسة تنهي زمن التباينات، وتضع الجنوب على عتبة مرحلة جديدة من الإعمار والتنمية والشراكة الفاعلة مع الأشقاء في التحالف العربي، كلاعب أساسي وضامن للسلام في اليمن والمنطقة برمتها .

كما سبق نستطيع القول بأن تلاحم القوى السياسية، والرموز التاريخية، وطاقة الشباب تحت الرعاية السعودية، هو الوصفة السحرية لولادة “الكتلة الجنوبية” التي ستصنع الفارق في المستقبل القريب جداً بإذن الله .