مقالات

‏الفوضى الرقمية تعطل الوعي السياسي.

‏الفوضى الرقمية تعطل الوعي السياسي.

 

د حسين لقور بن عيدان

ليس من قبيل المبالغة القول إن ما نشهده ونطلع عليه في مواقع التواصل الإجتماعي لم يعد جزءًا من الدعاية السياسية للدول الذي يتحرك بدافع تنمية الأفكار وتنمية الوعي العام، بل بسبب غياب البوصلة و بدافع التشويش. فهذه الانشطة لا تأتي محمولة على مشاريع سياسية أو ثقافية واضحة أو رؤى متماسكة، وإنما تتغذى على الفوضى، وتشتغل على إرباك الناس أكثر من إقناعهم، وعلى تعطيل التفكير السياسي أكثر من فتحه على أسئلة جوهرية وتأطير المسؤولية.

وهنا تكمن خطورتها الحقيقية في أنها لا تنافس الخصوم ببرنامج، بل تُحاول إغراق المجال العام بالضجيج، وتفكيك المعايير، وتحويل المنصات إلى ساحة استنزاف يومي للوعي. فحين تغيب الأفكار والإبداع، يحضر الصخب وقلة الأدب؛ وحين يضعف المشروع، تتكاثر الأقنعة؛ وحين يعجز الخطاب عن البناء، يلجأ إلى الهدم والتشويش.

إن أخطر ما في هذه الموجات أنها لا تريد أن تُقنعك، بل أن تُتعبك؛ لا تريد أن تفتح أمامك أفقًا سياسيًا، بل أن تدفعك إلى الارتياب والإنهاك والانسحاب. ولذلك فإن مواجهة هذا النمط لا تكون بالانخراط في ضجيجه، بل بإعادة الاعتبار للأفكار البناءة، وللتحليل، وللموقف المسؤول الذي يميز بين السياسة بوصفها مشروعًا، والسياسة بوصفها فوضى مصنوعة.