صفحات من تاريخ لحج

هكذا كانت أعراس لحج قديماً.. أفراح تجمع القرى وتوحد القلوب

*هكذا كانت أعراس لحج قديماً.. أفراح تجمع القرى وتوحد القلوب*

 

*لحج الغد :ياسر المقبلي معرار*

 

في الزمن الجميل لم تكن الأعراس في لحج مجرد مناسبة للزواج، بل كانت مهرجاناً اجتماعياً متكاملاً يجسد أسمى معاني المحبة والتكافل والتلاحم بين أبناء المجتمع وكانت تلك المناسبات تشكل لوحة تراثية زاخرة بالعادات والتقاليد الأصيلة التي لا تزال حاضرة في ذاكرة من عاصروها، شاهدة على زمن اتسم بالبساطة وصدق المشاعر وروح التعاون.

 

وفي هذا السياق يحدثنا الشيخ جمال سالم الدحفري أحد أبناء منطقة العند بمحافظة لحج عن جانب من تلك العادات التي شهدها خلال سبعينيات القرن الماضي في قرى ومناطق لحج مستعيداً صوراً نابضة بالحياة من أفراح ذلك الزمن، وما كانت تحمله من قيم اجتماعية وإنسانية راسخة.

 

فما إن تعلن “المخدرة” ويُحدد موعد العرس حتى تبدأ الوفود بالتوافد من مختلف القرى والمناطق للمشاركة في هذه المناسبة السعيدة فالبعض يقطع المسافات الطويلة على ظهور الجمال وآخرون يصلون سيراً على الأقدام فيما تتجه جماعات كبيرة من أبناء القرى المجاورة نحو مكان العرس في مشهد يعكس عمق الروابط الاجتماعية وروح المشاركة التي كانت تجمع الناس آنذاك.

 

وعند اقتراب تلك الوفود تبدأ مراسم الاستقبال والحفاوة إذ يتقدم كل وفد عاقل القرية أو أحد وجهائها وهو يطلق الأعيرة النارية ابتهاجاً بالمناسبة بينما يرد أصحاب العرس بالتحية ذاتها في مشهد احتفالي مهيب يجسد الكرم والأصالة وحسن الضيافة وتتواصل الأفراح على إيقاع الركلة والبرع والجذبة والشرح اللحجي حيث تمتزج الفنون الشعبية بأجواء الفرح والود لتصنع صورة زاهية من صور التراث اللحجي الأصيل.

 

ومن الفعاليات الشعبية التي كانت تضفي مزيداً من الحماس على الأعراس لعبة “النصع” والتي غالباً ما تقام في ساعات الصباح وكان الأهالي يتجمعون لمشاهدتها والمشاركة فيها فيما يقف صاحب “المرفع” بين الحضور فإذا تمكن أحد المشاركين من إصابة الهدف دوّى صوت المرفع احتفاء بمهارته ثم يقدم الفائز لصاحب المرفع مبلغاً رمزياً يتراوح بين شلن وخمسة شلنات تقديراً له وتشجيعاً لهذه اللعبة الشعبية المحببة.

 

أما الليالي فكانت لها حكاية أخرى إذ تتحول الأعراس إلى مجالس عامرة بالسمر والضحك وتبادل الأحاديث والنوادر الشعبية حتى ساعات الفجر الأولى ومن الشخصيات التي ارتبط حضورها بأعراس دار السلام المرحوم الزيدي الرحيتي الذي كان يضفي على السهرات أجواء من البهجة والمرح من خلال رقصاته المميزة وحضوره المحبوب بين الناس ليبقى اسمه حاضراً في ذاكرة أبناء المنطقة كلما ذكرت أفراح الماضي الجميل.

 

ولم تكن الولائم أقل أهمية من بقية مظاهر العرس فقد كانت تقام بروح جماعية رائعة حيث يتسابق الجميع للمشاركة في أعمال الذبح والطهي وخدمة الضيوف في صورة تجسد قيم التعاون والتكافل التي ميزت المجتمع آنذاك وجعلت من العرس مناسبة يشارك في نجاحها الجميع دون استثناء.

 

هكذا كانت أعراس لحج في الماضي مناسبات تتجاوز حدود الفرح الشخصي لتصبح عيداً مجتمعياً يلتقي فيه الناس على المحبة والتعاون وصلة الرحم. ورغم مرور السنوات وتغير الكثير من مظاهر الحياة، تبقى تلك الذكريات الجميلة حاضرة في وجدان أبنائها، شاهدة على زمن كان فيه الفرح للجميع، وكانت المشاركة فيه عنواناً للمودة والتآخي بين الناس.