_الإرادة التي لا تُكسر… دروس حرب 1994 أوهام الغزاة الجدد_
_الإرادة التي لا تُكسر… دروس حرب 1994 أوهام الغزاة الجدد_
كتب مصلح عبده
منذ تلك الحرب الظالمة التي شُنّت على الجنوب في صيف 1994، لم يكن الهدف مجرد إخضاع عسكري ، بل كان استهداف شامل للهوية والقرار والإنسان الجنوبي. كانت حرب لإلغاء الوجود، لا لتغيير موازين القوى فقط، حرب أرادت كسر الروح قبل السيطرة على الأرض، وتجفيف الذاكرة قبل إسكات صوت البنادق. ومع ذلك، ورغم حجم القسوة، ورغم مرور سنوات الإقصاء والنهب والتهميش، لم تنجح تلك الحرب في تحقيق غايتها الأهم، إذ بقي الجنوب حيًا في وجدان أبنائه، وبقيت قضيته حية ، ومازالت تنتظر لحظة الانبعاث.
مرت السنوات، وتغيّرت المراحل، وتبدّلت الشعارات، لكن جوهر الصراع لم يتغير. كل ما تغيّر هو شكل الغزو، وأدواته، ولغته الإعلامية، أما الهدف فبقي واحد: إخضاع الجنوب وكسر إرادة شعبه وإعادته إلى مربع الوصاية. غير أن من لم يفهم دروس التاريخ، يكرّر أخطاءه، ومن لم يستوعب طبيعة هذا الشعب، يظن أن الضربات المتتالية كفيلة بإنهاكه، دون أن يدرك أن الجنوب كلما تعرّض للضغط ازداد صلابة، وكلما اشتدت عليه المحن ازدادت قناعته بعدالة قضيته.
لقد خاض الجنوبيون معارك قاسية، بعضها كان ثمنه باهظ، وبعضها كشف مكامن الخلل والضعف، لكن أي قراءة منصفة للواقع تؤكد أن ما لم ينكسر يوم هو الإرادة الجنوبية، تلك الإرادة التي صمدت في وجه محاولات الإلغاء، ورفضت الاستسلام لليأس، ورفضت أن تكون الهزيمة قدرًا دائمًا. فالهزيمة الحقيقية ليست في خسارة المشاركة في الحرب ، بل في فقدان الإيمان بالحق، وهذا ما لم يحدث، ولن يحدث.
واليوم، ورغم كل ما شهدته الساحة من استهداف سياسي وحرب وإعلامية، ورغم محاولات التشويه وبث الإحباط وزعزعة الثقة، وبث الشائعات نستطيع أن نقول بكل ثقة ومسؤولية إن إرادة الجنوبيين لم ولن تنكسر، وإن قيادتهم، مهما اختلفت حولها الآراء أو تعرّضت للضغط، لا تزال تستند إلى قاعدة شعبية صلبة تشكّلت من رحم المعاناة والتضحيات. هذه القيادة ليست كيانًا معزول، بل ناتج مسار طويل من النضال، ومسؤولة أمام شعب واجة كل الخدع وميّز بين من يقاتل من أجل قضيته ومن يتاجر بها.
الغزاة الجدد، وهم يظنون أن تكرار الأساليب القديمة بوجوه جديدة سيؤتي ثماره، يكررون الخطأ ذاته الذي سقط فيه من سبقهم. فالجنوب الذي واجه حرب 1994، ونجا من محاولات الطمس، وتجاوز سنوات القهر، ليس جنوب هش يمكن إخضاعه بحملات إعلامية أو ضغوط سياسية أو حتى جولات عسكرية. إنهم يراهنون على التعب، لكنهم لا يفهمون أن هذا الشعب تعايش مع الألم حتى حوّله إلى وعي، ومع المعاناة حتى صارت دافع لا عائق.
المعارك قد تطول، والتحديات قد تتعقّد، وقد تمر لحظات قاسية يختلط فيها الصواب بالخطأ، لكن الثابت الذي لا يتغير هو أن الجنوب لم يعد كما كان، وأن الوعي الذي تشكّل عبر عقود لم يعد قابل للخداع أو الاحتواء. لقد تعلّم الجنوبيون أن لا يراهنوا على الوعود، بل على وحدتهم، وأن لا يثقوا بالشعارات، بل بما يحمون به أرضهم وقرارهم وكرامتهم.
ومن هنا، فإن كل مشروع يستهدف كسر معنويات الجنوبيين أو إرباك صفهم الداخلي مصيره الفشل، لأن الرهان على الانقسام سقط مرارًا، والرهان على الإنهاك ثبت عجزه، والرهان على الزمن لم يعد مجدي. فالزمن الذي ظنه البعض في صالحهم، تحوّل إلى شاهد ضدهم، يفضح نواياهم ويؤكد أن الجنوب كلما طال صراعه ازداد رسوخ في قناعته.
إن التاريخ لا يُكتب بالبيانات العابرة، بل بالمواقف الصلبة، والجنوب اليوم يقف في لحظة وعي فارقة، يدرك فيها أن الطريق ليس سهلًا، لكنه الطريق الوحيد نحو استعادة الحق. لا أوهام نصر سريع، ولا خوف من تعثر مؤقت، فالقضية التي صمدت ثلاثة عقود قادرة على مواصلة الطريق، ما دامت الإرادة حيّة، وما دام الشعب حاضرًا، وما دام الوعي يقظ.
وهنا تكمن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: قد يخسر الجنوب معركة، وقد يتراجع في جولة، لكن ما لن يحدث أبدًا هو انكسار الإرادة. فالإرادة التي لم تنكسر في 1994، ولم تُكسر في سنوات القهر اللاحقة، ولن تُكسر اليوم، هي الضمانة الحقيقية لإفشال كل أشكال الغزو، القديمة منها والجديدة، وهي السلاح الذي لا يمكن مصادرته، ولا يمكن هزيمته.



