مقالات

في الذكرى التاسعة لرحيل المناضل الثائر مهدي عبيد حسين: غيابُ جسدٍ وخلودُ مبدأ

علي حسن الخريشي

تسعة أعوام مضت كلمح البصر، وما زال غيابك يدمي القلوب ويترك في النفوس فراغاً لا يملؤه سواه. تسع سنوات انقضت منذ أن وافاه الأجل في الثامن من يوليو 2017م، بعد حياة حافلة بالعطاء الشاهق، ومعمدة بالكفاح والتضحية من أجل عزة وكرامة وطنه.
نعم، تسعة أعوام مرّت منذ أن فارقتنا يا “أبا توحيد”، لكنّك لم تغب يوماً عن الوجدان؛ فلا زلنا نتذكر كل لحظة جمعتنا بك. الأماكن، المواقف، والتفاصيل الصغيرة كلها هنا تحكي، تتكلم، وتئن حنيناً؛ هنا كنت تجلس بيننا بابتسامتك الوقورة، هنا كنت تضع حاجتك، هنا كنت تقرأ بشغف، وبهذا القلم كتبت كلماتك الحرة، ومن هذا الإناء شربت. كل شيء يفتقدك، لكنه يشهد أنك مررت من هنا كالنسمة الطاهرة.
نعم، تسعة أعوام منذ ودّعناك، ولكننا ما نسيناك ولن ننساك؛ لأنك حيٌّ فينا بروحك العظيمة، وفكرك الوضاء، ونبلك النادر، وخلقك الرفيع، وقلبك الطاهر الذي نضح بالحب والأخوة والنضال والثورة. كيف ينسى التاريخ شاباً من أوائل شباب ثورة 14 أكتوبر المجيدة؟ ومؤسساً للحركة الطلابية الجنوبية المقاومة للاستعمار البريطاني؟
إن أمثالك يا أبا توحيد لا يموتون في ذاكرة الشعوب، بل تتجدد مآثرهم وسيرتهم العطرة مع كل جيل، فبصماتك الناصعة ستبقى شواهد حية في القول والعمل، في السياسة والثقافة والاجتماع.
من هو الفقيد المناضل مهدي عبيد؟ (أيقونة النضال الصامت)
كثير من العظماء يرحلون بصمت دون أن يحظوا بإنصاف التدوين أو أضواء الإعلام، ليس لقلة صنيعهم، بل لأنهم آثروا تأدية الواجب الوطني بعيداً عن حب الظهور والتباهي. لقد كان “مهدي عبيد حسين” مؤمناً بأن النضال فرضٌ يمليه الضمير الحي، لا وسيلة للمفاخرة. ومن هذا المنطلق عاش مناضلنا الجسور، عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، والسكرتير الأول لمنظمة الحزب في ردفان بمحافظة لحج، يزرع الأثر ويمضي بهدوء الكبار.
محطات من نور في مسيرة الكفاح والعطاء
* الميلاد والنشأة: ولد الفقيد عام 1948م في قرية “الثمير” بردفان الشموخ (محافظة لحج)، وتلقى فيها تعليمه الابتدائي، ثم انتقل إلى الضالع ليكمل تعليمه المتوسط.
* رسالة التنوير: في مطلع عام 1969م، عُيّن معلماً في سلك التربية والتعليم بمديرية حبيل الريدة (حبيل الجبر حالياً)، ليزرع قيم العلم والثورة في عقول الأجيال الصاعدة.
* شرارة الثورة الأولى: شارك بفعالية في المسيرات والمظاهرات التي نظمها القطاع الطلابي والشبابي للجبهة القومية في ردفان والضالع، وكان صوتاً هادراً بالتضامن مع الثورات والشعوب العربية الحرة.
* العمل التنظيمي: انضم إلى الجبهة القومية، ثم انتقل لاحقاً إلى “اتحاد الشعب الديمقراطي” (أحد فصائل العمل الوطني الرائدة بقيادة المناضل الكبير عبد الله عبد الرزاق باذيب).
ثمن المبادئ: الصمود في وجه العواصف
لم تكن طريق “أبا توحيد” مفروشة بالورود، بل واجه في مسيرته السياسية والعملية صنوفاً من الصعاب والمضايقات والمطاردات بسبب مواقفه الصلبة واختلاف آرائه وتوجهاته السياسية. ومع كل ذلك، ظل صامداً صابراً كجبال ردفان، لا تلين له قناة، ولم يعرف الحقد أو الضغينة طريقاً إلى قلبه الطاهر. عاش حياته شامخاً، أبياً، كريماً، وبتسامحه الكبير ونقائه كسب احترام وتقدير ومكانة عالية بين الناس كافة.
> رجل الإجماع والوحدة: كان الفقيد شخصية جامعة ينبذ الفرقة والعنف والتعصب. أولى رعاية خاصة لمناضلي الثورة وأسر الشهداء والجرحى، وكان شغوفاً بالعلم والمعرفة، مشجعاً للشباب والطلاب على الالتحاق بالجامعات، بل وسعى لتطوير مستواه الشخصي حتى نال شهادة الدبلوم العالي من الاتحاد السوفيتي عام 1984م.
>
مقاومة الظلم وإعادة ترتيب الصفوف (بعد عام 1994م)
بعد حرب صيف 1994م المشؤومة التي شُنت على الجنوب وقضت على الشراكة، لم يستسلم الفقيد لواقع الإحباط، بل تقدم الصفوف لإعادة ترتيب البيت الحزبي في ردفان وتضميد جراحه.
وقف بكل شجاعة ضد سياسات القمع والإبعاد وقطع المرتبات وانتهاك الحقوق التي مارستها سلطات ما بعد الحرب لإسكات صوت الجنوب:
* المواجهة السلمية: شارك بفعالية في المظاهرات والاعتصامات الشعبية في لحج وعدن والضالع. وبسبب هذا النشاط، تعرض للملاحقة والتهديد والاعتقال، واضطر مع رفاقه لعقد الاجتماعات الحزبية سرّاً في المنازل الشخصية بعد مصادرة المقرات ومنع الأنشطة العامة.
* الاعتقال الأول (1998م): اعتُقل مع زملائه إثر دعوته لمسيرة تضامنية مع حضرموت (عقب استشهاد بارجاش وبن همام واعتقال باعوم)، والتنديد بقصف قرى الضالع وحملة الاعتقالات في ردفان.
* قيادة المنظمة: في ديسمبر 1999م، انتُخب سكرتيراً لمنظمة الحزب الاشتراكي بردفان، خلفاً للمناضل فضل محمد غالب لبوزة، فكان بحق خير خلف لخير سلف. تلا ذلك انتخابه عضواً في اللجنة المركزية للحزب في المؤتمر العام الخامس عام 2005م.
رائد النضال السلمي والحراك الجنوبي
* اعتقال 2005م: اعتُقل مجدداً بسبب تنظيمه مسيرة جماهيرية تطالب بحقوق المبعدين والمتقاعدين العسكريين والمدنيين، وهي الفعاليات التي مهدت لإنطلاقة الحراك السلمي الجنوبي من منصة الشهداء بردفان.
* مهندس التصالح والتسامح: كان من أبرز دعاة ومؤيدي مشروع “التصالح والتسامح الجنوبي” التاريخي الذي انطلق من جمعية أبناء ردفان بعدن في 13 يناير 2006م.
* الاعتقال الثالث (2009م): اعتُقل صبيحة 13 يناير 2009 في المعلا أثناء إحياء ذكرى التصالح والتسامح.
الرحيل في ميدان الشرف.. غبار الساحات كفنٌ للأوفياء
تأبى حياة العظماء إلا أن تُختم كما بدأت؛ في الساحات وبين الجماهير. لقد سجل الفقيد حضوراً دائماً في كل مليونيات الحراك السلمي الجنوبي. وكانت آخر مشاركة له في الحياة هي حضور “مليونية المعلا” في 7 يوليو 2017م..
وفي اليوم التالي مباشرة، السبت 8 يوليو 2017م، ترجل الفارس إثر نوبة قلبية مفاجئة عن عمر ناهز 69 عاماً، ليُسلم الروح إلى بارئها وهو متوج بغبار الساحات، حاملًا نبض القضية في قلبه حتى النفس الأخير.
رحل أبا توحيد تاركاً خلفه ثلاثة أولاد وأربع بنات، وإرثاً لا يفنى من النزاهة والمبادئ والشرف.
تغمد الله الفقيد المناضل مهدي عبيد حسين بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ورفاق دربه ومحبيه الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.
Fb Img 1783513770123