مقالات

أي مكون سياسي جنوبي لا يمثل إرادة الشعب لن يصمد في وجه كل العواصف والتحديات

أي مكون سياسي جنوبي لا يمثل إرادة الشعب لن يصمد في وجه كل العواصف والتحديات

 

لحج الغد ـ د. أمين العلياني

 

في زمنٍ تلتبس فيه الحقائق، وتختلط فيه الأوراق، وتضيع فيه البوصلات بين مشاريع واهنة وأخرى أصيلة، يظل السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح على المشهد السياسي الجنوبي برمته: من الذي يمتلك الشرعية الحقيقية في تمثيل شعب الجنوب؟ ومن ذلك الكيان الذي يستمد وجوده من نبض الجماهير لا من حسابات الغرف المغلقة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحتمل المواربة ولا التسويف ولا التأويل، ذلك أن التاريخ علمنا، والتجربة أثبتت، والدماء التي سالت في شوارع الجنوب ومدنه وقراه قد كتبت بمدادها القاني حقيقة واحدة لا تقبل القسمة على اثنين، حقيقة أن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي هو الكيان السياسي العريض الذي اختارته الجماهير الجنوبية بإرادتها الحرة، وفوضته تفويضًا كاملًا لقيادة معركة استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة، دولة تمتد من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا، دولة تسود فيها الكرامة ويسود فيها القانون وتعلو فيها راية الحرية خفاقة في سماء الجنوب الذي أنهكته الحروب وأرهقته المؤامرات وأدمته الطعنات من كل حدب وصوب.

 

إن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي لم يكن يومًا وليد صفقة إقليمية، ولم ينشأ في أروقة الفنادق الفاخرة، ولم يصغه سياسيون خلف أبواب موصدة بعيدًا عن عيون الجماهير، بل كان ميلاده ميلادًا شعبيًا خالصًا، انبثق من رحم معاناة شعبٍ ذاق مرارة الإقصاء والتهميش والاحتلال، شعبٍ خرج عن بكرة أبيه في ذلك اليوم التاريخي المشهود، يوم أعلن تفويضه للمجلس الانتقالي تفويضًا منقطع النظير في تاريخ المنطقة بأسرها، تفويضًا لم تشهده ساحات السياسة من قبل، تفويضًا هز أركان المشروع الاحتلالي اليمني وأربك حسابات القوى الإقليمية والدولية التي راهنت على أن الشعب الجنوبي قد استسلم لواقعه الأليم، تفويضًا قال فيه الجنوبيون كلمتهم الفصل التي لا رجعة فيها، وذلك حين قال: إننا شعب واحد، وإن قضيتنا واحدة، وإن هدفنا واحد، وإن طريقنا واحد، وإن قيادتنا واحدة، وإن كياننا السياسي الممثل لنا هو المجلس الانتقالي الجنوبي العربي لأنه الكيان السياسي العريض والوحيد الذي عبر عن إرادة الشعب فى استعادة دولته المستقلة.

ويستمد المجلس الانتقالي هذه الشرعية الاستثنائية من التفاف شعبي وجماهيري ونخبوي وحزبي ومجتمع مدني غير مسبوق، التفافٍ لا يمكن لأي مكون سياسي جنوبي آخر أن يدعيه أو يزعمه أو يقترب منه، إنه التفاف يشمل كل فئات المجتمع الجنوبي دون استثناء، يشمل منظمات المجتمع المدني التي آمنت بالمشروع التحرري، ويشمل الجيش والأمن اللذين يذودان عن حمى الأرض الجنوبية بدماء أبنائهما البررة، ويشمل المرأة الجنوبية التي كانت وستظل شريكة أصيلة في النضال وصانعة من صناع المستقبل، ويشمل الشباب المتقد حماسةً والمتوقد وعيًا والحامل لراية التغيير، ويشمل المستقلين الذين لم تأسرهم أيديولوجيا حزبية ضيقة ولم تشترهم أموال المخابرات الإقليمية، إنه التفاف تتجلى فيه وحدة الصف الجنوبي في أبهى صورها، وتتجسد فيه اللحمة الوطنية التي طالما حلم بها أبناء الجنوب، وتتأكد فيه حقيقة أن المجلس الانتقالي ليس مجرد كيان سياسي نخبوي، بل هو كيان شعبي عريض تتجمع فيه كل ألوان الطيف الجنوبي في فسيفساء وطنية بديعة لا مثيل لها.

 

ولأن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي قد صار واضحًا كل الوضوح مع شعبه في التعبير عن تطلعاته، ولأنه لم يلجأ يومًا إلى لغة الخشب التي يتقنها السياسيون المحترفون، ولم يمارس التقية التي يجيدها أصحاب الأجندات الخفية، بل خاطب جماهيره بلسان الصدق وحديث الحق ومنطق الوضوح، فقد صار واحدًا مع هذا الشعب، يفرح لفرحه ويحزن لحزنه ويتألم لألمه وينتصر لانتصاراته، إنه الكيان الذي يعبر عن قضية شعب سياسية ووجودية بامتياز، قضية شعب لا تقبل أنصاف الحلول ولا تستسيغ المساومات ولا ترضى بالفتات، قضية شعب يريد استعادة دولته كاملة السيادة، دولة لا تنقصها ذرة من تراب، ولا تُنتقص فيها ذرة من كرامة، إنها قضية شعب سياسية ووجودية تتجاوز حدود السياسة الضيقة لتصبح مسألة حياة أو موت، مسألة تكون أو لا تكون، وهذه القضية السياسية الوجودية هي التي تجعل المجلس الانتقالي صامدًا كالطود الشامخ في وجه كل العواصف والتحديات التي هبت على المشروع الجنوبي التحرري من كل اتجاه.

 

ويعبر المجلس الانتقالي عن هوية جنوبية واضحة لا لبس فيها ولا غموض، هوية تستمد أصالتها من عمق التاريخ ومن تضاريس الجغرافيا، هوية تنطلق من الأرض الجنوبية وبحدودها الجغرافية الثابتة من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا، هوية لا تقبل الذوبان في أي مشروع سياسي آخر، ولا ترضى بأن تكون مجرد هامش في كيانات لا تعترف بوجود الشعب الجنوبي أصلًا، إنها هوية منحوتة من صخر الجبال الجنوبية الشماء، مسقية من مياه البحار الجنوبية الدافئة، معطرة بنسيم السهول الجنوبية الخضراء، وهذه الهوية الواضحة هي التي تجعل المجلس الانتقالي عصيًا على الاختراق، صلبًا في مواجهة محاولات الاحتواء، متماسكًا أمام كل المشاريع التي تستهدف تمييع قضية شعب الجنوب وإذابتها في قضايا أخرى لا تمت إليها بصلة.

 

ويحظى المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة سياسية فذة ومفوضة، يتقدمها الرئيس عيدروس الزبيدي، هذا القائد الذي لم يصعد إلى موقع القيادة عبر صفقات سياسية مشبوهة، ولم يصل إلى سدة المسؤولية عبر تزكيات خارجية مريبة، بل استمد قوته وتفويضه من الشعب ذاته، من الجماهير المليونية التي رأت فيه رمزًا لنضالاتها وصوتًا لآمالها وسيفًا مسلولًا في وجه أعدائها، إنه قائد لا يدين بالولاء إلا لشعبه، ولا يخضع لأي تمويل غير تمويل الإرادة الشعبية الجماهيرية الجنوبية، ولا يستمد تعليماته من أي عاصمة إقليمية أو دولية، بل يستمدها من نبض الشارع الجنوبي ومن تطلعات الجماهير ومن أهداف الثورة الجنوبية التي رسمتها دماء الشهداء، وهذا النقاء في مصدر الشرعية، وهذه الطهارة في مصدر التمويل، وهذا الوضوح في مصدر التوجيه، هو ما يجعل قيادة المجلس الانتقالي عصية على المساومة، مستعصية على الاختراق، متمنعة على الإغراءات التي قد تعرض على غيرها من القيادات السياسية التي لا تملك هذا السند الشعبي العريض.

 

أما تلك الكيانات التي تنشأ في أروقة الاستخبارات الإقليمية، والتي تُصنع في مختبرات السياسة المظلمة، والتي تخرج إلى العلن وكأنها كيانات جنوبية خالصة بينما هي في حقيقة الأمر أدوات طيعة في أيدي الوصاية الإقليمية وقوى الاحتلال اليمني، فإنها لا يمكن أن تكون معبرة عن إرادة الشعب الجنوبي مهما حاولت أن تتخفى وراء الشعارات الرنانة والخطب المنمقة والوعود المعسولة، إن تلك المجالس التنسيقية المشبوهة، وتلك الفئات المجتمعية المريبة، وتلك الكيانات السياسية الهشة، التي تعبر عن توجهات وصاية إقليمية أو وإيديولوجيات حزبية يمنية احتلالية، وتستمد تمويلها وتوجيهاتها من تلك الوصاية الإقليمية أو القوى الاحتلالية ذاتها، تقف عارية أمام الجماهير الجنوبية التي تملك من الوعي ما يمكنها من كشف الزيف، وتملك من الفراسة ما يمكنها من تمييز الصادق من الكاذب، وتملك من التجربة ما يمكنها من فرز الوطني من العميل، والحر من العبد، والكريم من الخائن.

 

إن هذه الكيانات الواهنة، التي لا تملك من مقومات البقاء إلا ما تتلقاه من أموال خارجية مشبوهة، والتي لا تحظى بأي إرادة شعبية واسعة تمثل تطلعاتها، والتي لا تملك تفويضًا شعبيًا يمكنها من الادعاء بأنها تمثل أي أحد من أبناء الجنوب، لا تقدر أن تصمد أمام العواصف والتحديات التي تواجه مشروع الجنوب التحرري، كيف تصمد وهي لا تعبر عن هدف الشعب الجنوبي في التحرير والاستقلال؟ كيف تصمد وهي لا تحظى بإرادة شعبية واسعة تمثل تطلعاتها؟ كيف تصمد وهي لا تملك تفويضًا شعبيًا تستند إليه؟ كيف تصمد وهي لا تجسد دماء الشهداء والجرحى في تضحياتها ولا تعرف طهارة دمائهم التي سالت أنهارًا في شوارع الجنوب ومدنه وقراه وكل الجبهات والمتارس؟ تلك الدماء الزكية التي كانت ضريبة الحرية وثمن الاستقلال ومهر استعادة الدولة، لا يمكن أن تختزلها بيانات سياسية باردة، ولا يمكن أن تحتويها مؤتمرات تعقد في عواصم بعيدة، ولا يمكن أن تمثلها كيانات مشبوهة التمويل والولاء والتوجيه، إنها دماء طاهرة نقية، قدمت في سبيل مشروع جنوبي تحرري مكتمل الأركان، مشروع لا يعرف الالتواء ولا التلون ولا المواربة، مشروع لا يمثل تطلعات قوى إقليمية وصائية ولا يخضع لإملاءات قوى احتلالية يمنية.

 

إن التاريخ سيظل شاهدًا أمينًا على أن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي هو الكيان السياسي الوحيد الذي حمل راية قضية شعب الجنوب في أحلك الظروف، وثبت في وجه كل العواصف والأنواء، وصمد أمام كل المؤامرات والدسائس، وسيبقى ذلك الكيان الشامخ الذي لا تلين له قناة، ولا تضعف له عزيمة، ولا تخور له قوة، لأنه ببساطة يستمد قوته من الله ثم من الشعب، ذلك الشعب العظيم الذي قال كلمته وأعلن تفويضه ومضى في طريقه نحو استعادة دولته كاملة السيادة، دولة الجنوب العربي، دولة كل الجنوبيين الأحرار، دولة الشهداء والجرحى والأسرى، دولة الكرامة والعزة والسيادة، دولة ستبقى عصية على كل المتآمرين، مستعصية على كل المحتلين، منتصرة في نهاية المطاف بإذن الله ثم بإرادة شعبها الأبي الذي لا يقهر.