عودة “كابتن جاك سبارو” إلى خليج عدن: أين اختفت البوارج الشقيقة بعد غياب حراس العرين؟
بقلم/ د.علي حسن الخريشي
wp-image-82288″ />
يبدو أن هوليوود ليست الوحيدة التي تعشق إعادة إنتاج الأفلام القديمة؛ ففي خليج عدن، قرر “قراصنة البحار” دبلجة النسخة الصومالية-اليمنية الكلاسيكية وإطلاق “الموسم الجديد”، وسط تصفيق حار من المجتمع الدولي الذي يبدو أنه يتابع العرض بنوع من التسلية والدهشة!
آخر الأخبار القادمة من وكالة “رويترز” لا تتحدث عن مسلسل درامي، بل عن واقعة حقيقية: مسلحون يقتحمون ناقلة منتجات كيميائية في عرض خليج عدن. الحادثة لم تعد مجرد “طفرة” أو تصرف فردي، بل نحن أمام تكرار مقلق وممنهج، يعيد إلى الأذهان العصر الذهبي للقرصنة، حيث يكفي أن تملك قارب صيد صغيراً، ومدافع “آر بي جي”، لكي تفرض شروطك على خط ملاحة دولي تمر عبره مليارات الدولارات!
ولكي نفهم كيف وصلنا إلى هذا العرض المسرحي الهابط، علينا أن ننعش الذاكرة قليلاً بنظرة إلى الخلف. فقبل أحداث الغدر والمؤامرات التي حيكت ضد قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في يناير الماضي، لم يكن يجرؤ قرصان صومالي، او مليشاوي، أو متطرف بائس على أن يمد بصره نحو مياه خليج عدن، ناهيك عن أن يفكر في اعتلاء سطح ناقلة كيميائية.
لقد كانت قوات المجلس الانتقالي هي “حارس العرين” والدرع الحقيقي الذي يؤمّن السواحل ويقطع دابر الفوضى والتهريب. ولكن، ولأن السياسة الإقليمية أحياناً تعشق العبث بالمعادلات الناجحة، فقد قررت الشقيقة الكبرى (المملكة العربية السعودية) إبعاد هذه القوات الوطنية والمؤهلة عن المشهد وتهميش دورها الاستراتيجي.
والنتيجة؟ فراغ أمني شاسع ، سارع الجميع لاستغلاله. فبمجرد أن رُفعت يد قوات الانتقالي عن تأمين الثغور، تفتقت عبقرية المتربصين؛ فعادت القرصنة البحرية لتبسط نفوذها، وخرج تنظيم “القاعدة” من جحوره ليعيد ترتيب أوراقه على اليابسة، وكأننا في حفل تسليم واستلام رسمي للفوضى!
ووسط هذه الأجواء “الرومانسية” من الفوضى البحرية والبرية، يتبادر إلى ذهن المواطن (المطحون والمحاصر) سؤال بريء جداً: أين البحرية السعودية؟
نعلم جميعاً أن المملكة -بحكم الجغرافيا والتحالفات والمسؤولية الأخلاقية والقانونية التي فرضتها على نفسها- هي صاحبة الكلمة الأولى واليد الطولى. ونعلم أن طموحاتها الاقتصادية العملاقة تتطلب بحراً آمناً وخالياً من “المشاغبين”.
ولكن، حين يجد الجد، ونرى القراصنة يتجولون في خليج عدن وكأنهم في “منتزه مائي”، نلتفت يمنة ويسرة فلا نجد للبوارج الشقيقة أثراً! هل البحرية السعودية في “استراحة محارب”؟ أم أنها بعد أن أزاحت القوات الجنوبية التي كانت تقوم بالعمل الشاق مجاناً وبكفاءة، قررت أن تكتفي بدور المتفرج اللبيب .
ومن المفارقات الساخرة أن دول العالم تقيم الدنيا ولا تقعدها عندما يتعلق الأمر بتهديد مصالحها، وتتحرك الأساطيل من أقاصي الأرض لحماية شحنة “موز” أو “بضائع مجففة”. أما في باحتنا الخلفية، يبدو أن هناك من يفضل دور “المتفرج”.
الجميع يتساءل اليوم بكثير من التهكم: إذا لم تكن حماية المياه الإقليمية وتأمين الملاحة من مهام القوة الإقليمية الأكبر التي أزاحت حراس الأرض الحقيقيين، فمن المعني بها إذن؟ هل ننتظر من “صيادي صيرة” أن يواجهوا القراصنة والإرهابيين بأسماك “الثمد”؟ أم ننتظر من خفر السواحل (الذي يمتلك زوارق بالكاد تقاوم أمواج الشاطئ) أن يقود تحالفاً دولياً؟
الخطير في عودة القرصنة ونشاط القاعدة اليوم ليس فقط التهديد الأمني، بل تحولهما إلى أمر واقع في ظل غياب الرادع الحقيقي الذي كانت تمثله القوات الجنوبية. وإذا استمرت الشقيقة الكبرى في تجاهل هذا التدهور الخطير بعد أن هندست بنفسها إبعاد صمام الأمان، فقد نستيقظ غداً لنقرأ في الصحف عن تأسيس “ائتلاف مشترك بين القراصنة والتنظيمات الإرهابية في خليج عدن”، بل ربما يطالبون باعتراف دولي!
يا ليت الأخوة في المملكة يتذكرون أن خليج عدن ليس بحيرة صناعية في منتجع سياحي بالرياض، بل هو شريان الحياة… وحين يتجلط هذا الشريان بالقرصنة والإرهاب بعد غياب حماته الحقيقيين، فإن الصداع سيصل حتماً إلى الجميع، حتى أولئك الذين يظنون أنهم في مأمن خلف شاشات المراقبة المكيفة.



