لماذا نُحمّل الآخرين فشلنا ؟ قراءة في مأزق الجنوب بين الداخل والخارج
لماذا نُحمّل الآخرين فشلنا ؟ قراءة في مأزق الجنوب بين الداخل والخارج
كتب / وضاح بن عطية
رغم عراقة المجتمع الجنوبي، وتماسك نسيجه الاجتماعي، وموقعه الاستراتيجي الفريد، ما زلنا نتساءل بمرارة : لماذا عجزنا عن بناء دولة مستقرة كما فعلت الشعوب أخرى !؟
بعد التحرر من الاستعمار البريطاني، لم ننجح في تأسيس دولة منفتحة ومتوازنة، بل اتجهنا نحو خيارات أيديولوجية حادة أدخلتنا في صراعات وعزلة إقليمية مبكرة .
وفي عام 1990، اندفعنا نحو وحدة غير مدروسة، أقرب إلى مغامرة سياسية منها إلى مشروع عربي متكامل، فكانت النتيجة فقدان القرار، ثم تحولت الوحدة إلى إحتلال ومحاولة طمس وابتلاع .
لكن الجنوب لم يستسلم؛ فبعد سنوات، انطلقت ثورة الحراك الجنوبي الشعبي، مرتكزة على مبدأ عظيم هو “التصالح والتسامح”، كأحد أنضج المشاريع الوطنية التي أعادت بناء الوعي الجنوبي .
ومن رحم هذا الحراك، وُلدت المقاومة الجنوبية، التي تطورت لاحقًا إلى قوات عسكرية منظمة بدعم من التحالف العربي، وحققت إنجازات تاريخية كبيرة على الأرض .
ورغم هذا التقدم، برزت أزمة أخرى :
لم نحسن إدارة علاقاتنا الإقليمية، ولم ننجح في تحويل الدعم إلى شراكات استراتيجية مستقرة، بل انجرفنا أحيانا نحو خطاب متشنج وأفعال حوّلت الحليف إلى خصم، وبدد جزءًا من المكاسب وبسبب التطرف قد تعيدنا إلى نقطة الصفر .
وهنا تبرز الأسئلة الحقيقية :
هل مشكلتنا في غياب المشروع الوطني الجامع ؟
أم في هيمنة ردود الفعل بدل التخطيط طويل المدى ؟
لماذا نلجأ سريعًا إلى نظرية المؤامرة بدل النقد الذاتي ؟
هل ثقافة التخوين التي تتكرر في كل مرحلة تحمي القضية أم تفتك بها من الداخل ؟
وهل الموقع الاستراتيجي نعمة لم نحسن استثمارها، أم عبء جذب صراعات خارجية لم نُدِرها بحكمة ؟
الحقيقة المؤلمة أن بناء الدول لا يتم بالعاطفة ولا بالشعارات، بل بإدارة الخلاف، وبناء المؤسسات، وصناعة التوازنات، والقدرة على تحويل التنوع إلى قوة لا إلى صراع .
ما لم ندرك أن أخطر تهديد لنا هو انقسامنا الداخلي، وأن أعظم قوة لنا هي وحدتنا ووعينا، سنبقى ندور في نفس الحلقة، ونكرر نفس الأخطاء .
المرحلة اليوم ليست مرحلة مزايدات أو تخوين، بل مرحلة وعي ومسؤولية. إما أن نرتقي إلى مستوى التحدي، أو نترك الفراغ ليملأه الآخرون .
وهنا يبرز سؤال مؤلم لكنه ضروري :
أليس التعصب الجنوبي ضد الجنوبي الآخر، في مراحل سابقة، أحد أبرز الأسباب التي أضعفت الجنوب وأفقدته فرصًا تاريخية ؟
وهل استوعبنا دروس الماضي بما يكفي لنعرف “من أين تُؤكل الكتف”، ونبحث بوعي عن مفاتيح الحل، بدل تكرار ذات الأخطاء ؟
إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي مشروع وطني ليس خصومه، بل انقسام أبنائه، حين تتحول الخلافات إلى صراعات، والرأي إلى تخوين، والتنوع إلى حالة تمزق. اليوم، أمامنا فرصة لا تحتمل التكرار…
فإما أن نتعلم من الماضي ونبني على أسس من الشراكة والوعي، أو نعيد إنتاج نفس الأسباب التي أضاعت الجنوب سابقًا، ونخسر عقودًا أخرى بنفس الضياع .



