“عدن تبكي بصوت طفلة: ما ذنبنا لنُحرم من حقنا في التعليم؟”
لحج الغد/خاص/أدهم الصماتي.
في مشهد يكشف عمق المأساة التي تعيشها البلاد، وثّق ناشطون في مدينة عدن مقطع فيديو لطفلة صغيرة تبكي بحرقة، وهي تردد كلمات موجعة: “ما ذنبي حتى نُحرم من التدريس وأبناء المسؤولين يدرسون في الخارج؟” — عبارة تحمل في طياتها غضب شعب بأكمله، وتعري واقعاً مأساوياً من التمييز، والإهمال، وانهيار المنظومة التعليمية.
الطفلة، التي لا يتجاوز عمرها العشر سنوات، لم تكن تدرك أن كلماتها البريئة ستتحول إلى صرخة ضمير، تُلقي الضوء على واحدة من أعمق أزمات اليمن: انقسام طبقي صارخ بين أبناء الشعب البسطاء الذين حُرموا من التعليم، وأبناء المسؤولين الذين يدرسون في أرقى مدارس وجامعات العالم على نفقة الدولة أو بفضل ثروات تُجمع من أوجاع هذا الشعب.
تشهد عدن وعدد من المحافظات اليمنية أزمة متصاعدة في قطاع التعليم، حيث توقفت الدراسة في كثير من المدارس بسبب إضرابات المعلمين للمطالبة بحقوقهم المعيشية، في ظل غياب الحلول من الجهات المسؤولة. وبينما يعاني طلاب المدارس الحكومية من انقطاع التعليم، يتلقى أبناء بعض المسؤولين تعليمهم في مؤسسات تعليمية خاصة داخل البلاد، أو في مدارس وجامعات خارجية توفر لهم كل سبل الراحة.
تحولت دموع هذه الطفلة إلى مادة للنقاش في مواقع التواصل الاجتماعي، وأثارت جدلاً واسعاً حول الفجوة بين الواقع الذي يعيشه عامة الناس، والامتيازات التي يتمتع بها أبناء الطبقة الحاكمة. كيف يمكن لمسؤول أن يتحدث عن “حب الوطن” و”خدمة الشعب” في الوقت الذي يختار فيه لأبنائه التعليم في الخارج، ويترك أبناء الشعب يكافحون من أجل أبسط حقوقهم؟
ليست هذه الطفلة وحدها، بل آلاف الأطفال في عدن ومناطق أخرى يواجهون المصير ذاته. فصول مغلقة، معلمون غاضبون، وواقع اقتصادي منهار، بينما يحظى أبناء النخبة بكل ما حُرم منه أقرانهم.
الطفلة لم تطالب بامتيازات، ولا رفاهية، فقط بحقها في الدراسة، بالجلوس على مقعد دراسي في فصل آمن، وبأن تحمل حقيبتها إلى مدرسة مفتوحة. وهي، دون أن تدري، حمّلت كلماتها رسالة إلى كل مسؤول: هل ترضون لأبنائكم ما نعيشه نحن؟
هذا الواقع يفرض على الجميع، من منظمات حقوق الإنسان إلى وسائل الإعلام، ومن المجتمع المدني إلى السلطة، أن تتحمل مسؤولياتها في المطالبة بالعدالة التعليمية. يجب وقف هذا التمييز الطبقي الفج، ومحاسبة كل من يعبث بحقوق الأطفال ومستقبل الأجيال.
فدموع الطفلة ليست مجرد بكاء، بل وثيقة إدانة صامتة، ستبقى شاهدة على زمنٍ ظالمٍ فُرّق فيه الأطفال بين من يدرسون في أحضان الوطن، ومن يدرسون في فنادق الغربة.



