مقالات

رحيل أمزربة.. عندما يترجل فرسان الوطن ويبقى أثرهم خالدًا

رحيل أمزربة.. عندما يترجل فرسان الوطن ويبقى أثرهم خالدًا

لحج الغد – صالح علي لجوري

ليس من السهل أن تُختزل سيرة الرجال العظماء في كلمات ولا أن تُوفي المقالات حق أولئك الذين صنعوا أثرًا عميقًا في حياة الناس وتركوا بصماتهم في مسيرة الوطن.
ومن هؤلاء المناضل الكبير أحمد عبدالله أمزربة الذي لم يكن مجرد شخصية وطنية أو اجتماعية بل كان مدرسة في الحكمة ورمزًا للتسامح والتصالح وأبًا روحيًا لمشروعٍ وطني آمن بأن مستقبل الأوطان لا يُبنى إلا بالتسامح ووحدة الصف.
قبل أن أتشرف بلقائه لأول مرة
أو أستمع إلى أحاديثه ولقاءاته الصحفية كان المناضل للواء صالح حسين أبو بكر العمري رحمه الله الفضل في أن يرسم في مخيلتي صورة هذا المناضل الوطني الاستثنائي فقد جمعتهما سنوات من الزمالة مع شقيقة الشهيد محمد عبدالله امزربة في المؤسسة العسكرية وفي قوة الردع العربي في جمهورية لبنان ومعرفة تامة بالمناضل احمد امزربه بحكم علاقاته بالأسرة العريقة ..وكان يحدثني عنه بكل تقدير وإجلال ويصفه بأنه رجل المواقف وصاحب الأخلاق الرفيعة والمناضل الذي يحمل همّ الوطن فوق كل اعتبار
وعندما التقيت المناضل أحمد عبدالله أمزربة أثناء الأحداث المؤسفة المتمثلة بالهجمات الهمجية على صحيفة الأيام وناشريها من قبل نظام عفاش والذي كان من اقوى المدافعين عنها وعن الحق الجنوبي
أيقنت أن ما سمعته عنه لم يكن مبالغة بل كان حقيقةً رأيتها بعيني. وجدت أمامي إنسانًا قويا راقيًا في أخلاقه متواضعًا في تعامله واسع الأفق في رؤيته مؤمنًا بأن قوة الرجال لا تُقاس بما يملكون من نفوذ وإنما بما يتركونه من أثر طيب في نفوس الناس.
لقد كان بحق الأب الروحي للتسامح والتصالح وحمل هذه الرسالة بإيمانٍ راسخ وقناعة لا تتزعزع ولم يكن يدعو إليها كشعارات تُرفع بل كان يجسدها في سلوكه ومواقفه وكلماته حتى إن كل من جلس إليه أو استمع إلى حديثه خرج مقتنعًا بأن التسامح ليس ضعفًا بل قوة وأن التصالح ليس تنازلًا بل انتصارٌ للوطن وللقيم الإنسانية.
وعلى الرغم من أن أسرته كانت من الأسر التي ذاقت مرارة الظلم وقدمت الكثير من التضحيات خلال مراحل مختلفة من تاريخ الوطن فإنه لم يجعل من تلك المعاناة سببًا للانتقام أو تغذية الأحقاد بل حوّلها إلى دافعٍ لنشر ثقافة التسامح وإصلاح ذات البين ورأب الصدع بين أبناء الوطن، مؤمنًا بأن الأمم العظيمة هي التي تتجاوز جراحها لتبني مستقبلها.
لقد رحل الجسد لكن القيم التي غرسها ستظل باقية وستبقى سيرته حاضرة في ذاكرة كل من عرفه أو عمل معه أو استمع إلى حكمته أو تعلم منه.
فالرجال الكبار لا يموتون برحيلهم، وإنما يخلدون بما قدموه من مواقف نبيلة وما زرعوه من مبادئ في وجدان الناس.
ومهما كتبنا أو تحدثنا عن الفقيد فإن الكلمات ستظل عاجزة عن الإحاطة بمسيرة رجل أفنى عمره في خدمة وطنه ومجتمعه وسيبقى حقه أكبر من أن توفيه المقالات أو الخطب.
ومن هنا : فإنني أدعو زملاءه ورفاق دربه ممن لا يزالون على قيد الحياة إلى توثيق سيرته ورواية مواقفه وكتابة شهاداتهم عنه حتى تتعرف الأجيال القادمة على قامة وطنية كان لها دورها الكبير في ترسيخ قيم الوفاق والتسامح والعمل الوطني.
وبرحيل المناضل أحمد عبدالله أمزربة خسر الوطن أحد رجاله المخلصين وخسرت الساحة الوطنية صوتًا عاقلًا وحكيمًا آمن بالحوار وجعل من التسامح نهجًا ومن التصالح رسالةًومن خدمة الوطن شرفًا لا يضاهيه شرف.
وإزاء هذا المصاب الأليم نتقدم بأصدق التعازي وخالص المواساة إلى أبنائه وأسرته الكريمة وإلى آل أمزربة كافة سائلين الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وأن يغفر له ويسكنه فسيح جناته وأن يجزيه عن وطنه وأبناء شعبه خير الجزاء وأن يلهم أهله وذويه ومحبيه جميل الصبر والسلوان…

إنا لله وإنا إليه راجعون.