مقالات

لا تطعن صدرك بسهم عدوك.. كيف نفشل مخططات شق الصف الجنوبي؟

لا تطعن صدرك بسهم عدوك.. كيف نفشل مخططات شق الصف الجنوبي؟

كتب / متعب قريقوش

في معارك الوعي لا تُهزم الشعوب بالرصاص وحده، بل تُهزم حين تُقنع أن عدوها هو أقرب الناس إليها. فالحصون لا تسقط من الخارج ما دامت متماسكة من الداخل، لكنها تنهار سريعاً إذا نجح الخصم في زرع الشك بين أبنائها، حتى يتحول الأخ في نظر أخيه إلى خصم، ويصبح الحليف موضع تهمة.

إن أخطر ما يواجه أي مجتمع يسعى لتحقيق هدفه هو الحرب النفسية التي لا تستخدم سلاحاً ولا تحرك جيشاً، بل تعتمد على الكلمة والشائعة والتسريب المجهول. وهي حرب قديمة متجددة، تقوم على خلط جزء يسير من الحقيقة التي يعرفها الجميع، بكذبة كبيرة يراد تمريرها. الحقيقة قد تكون وجود تباينات أو اختلاف في وجهات النظر، وهذا أمر طبيعي في أي عمل سياسي. أما الكذبة فهي الإيحاء بأن القرار لم يعد بيد أهله، وأن من ائتمنتهم على قضيتك قد تخلوا عنك، وأن المعركة حُسمت وأنت الطرف الخاسر.

مثل هذه الأساليب تُطلق في توقيتات مدروسة ولها أهداف واضحة. الهدف الأول هو ضرب الثقة بين القيادة وقاعدتها الشعبية حتى يتحول كل لقاء إلى موضع ريبة، وكل تحرك إلى دائرة اتهام. والهدف الثاني هو بث الإحباط في النفوس، عبر تكرار عبارات توحي بالنهاية والانهيار، فيستسلم الناس نفسياً قبل أن يخوضوا أي مواجهة. والهدف الثالث هو جس النبض وقياس رد الفعل، فإن وجد مروج الشائعة صدى وقبولاً، انتقل إلى مرحلة أخطر. وإن وجد وعياً ورفضاً، ماتت محاولته في مهدها. أما الهدف الرابع فهو تهيئة الرأي العام لقبول أي خطوات قادمة تُفرض عليه تحت عناوين براقة.

والخطر الأكبر لا يكمن في من يصنع الشائعة، بل فيمن ينقلها بحسن نية وبدافع الغيرة والغضب. فكثيرون يشاركون هذه السموم بغرض الرد عليها أو التحذير منها، وهم لا يدركون أنهم يوسعون دائرة انتشارها ويحققون لصانعها ما عجز عن تحقيقه وحده. إن مواجهة الحرب النفسية لا تكون بالانفعال والشتيمة، بل بالوعي والتريث. والوعي يبدأ بسؤال بسيط قبل إعادة نشر أي معلومة: من المستفيد من تصديقي لهذا الكلام؟ فإذا كان المستفيد هو الطرف الذي عجز عن مواجهتك في الميدان، فالأجدر بك أن تتجاهل رسالته وتُسقطها من حساباتك.

إن الدول والمؤسسات حين تريد إيصال موقف سياسي حقي فإنها تعلنه عبر قنواتها الرسمية المعروفة، ولا تمرره عبر صفحات مجهولة أو مصادر لا اسم لها. والقيادات حين تختلف فإنها تتصارح وتتحاور ضمن أطرها المعتمدة، ولا تُدار الخلافات في الغرف المغلقة لتُسرب للعامة. لذلك يجب أن تكون القاعدة الذهبية للجميع: لا مصدر رسمي، لا تصديق. وإن وقع الخطأ من أحد أبناء الصف، فإن محاسبته تكون في الداخل وبين أهله، لا عبر بوابات الغرباء الذين يريدون الفرقة تحت شعار كشف الحقيقة.

إن الرد الحقيقي على كل محاولات شق الصف الجنوبي لا يكون بالبيانات المتكررة، بل بتعزيز التماسك العملي وتوحيد الكلمة. كلما أرادوا لنا الفرقة، ازددنا قرباً. وكلما أرادوا لنا الشك، ازددنا ثقة ببعضنا. فحين نفهم اللعبة يبطل مفعولها، وحين نكشف أدواتها نصبح محصنين ضدها.

عدوك اليوم لا يستهدف أرضك فقط، بل يستهدف عقلك ووعيك ووحدتك. فلا تسلمه عقلك مجاناً، ولا تطعن صدرك بسهم صنعه لغيرك. صفنا واحد، ومصيرنا واحد، والوعي سلاحنا الأول في معركة لا تقل ضراوة عن أي معركة أخرى.