عودة الزُبيدي وخطاب أكتوبر.. ما وراء دعوة الاستجابة وحسابات الاعتراف بالجنوب
كتب / بشير الهدياني
عودة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي إلى المشهد، وإلقاؤه خطابه بمناسبة الذكرى الـ63 لثورة 14 أكتوبر، تمثل بحد ذاتها انتصاراً على المؤامرات التي استهدفت إبعاده، وتؤكد أن حضوره يستمد قوته من شعب الجنوب وقضيته.
لكن ما يستحق التوقف عنده في الخطاب هو دعوته المملكة العربية السعودية إلى الاستجابة بالاعتراف بالإعلان الدستوري الجنوبي. فهذه العبارة تحديداً تفتح الباب أمام قراءة ما وراءها، لا سيما أن خطوة بهذا الحجم كان يُفترض أن تسبقها، ولو على مستوى المواقف الإعلامية، اعترافات من أبرز الإعلاميين والناشطين السعوديين بالخطأ الذي ارتُكب بحق القوات المسلحة الجنوبية في أحداث يناير بحضرموت، وما رافقها من استهداف للقوات الجنوبية وملاحقة قيادات المجلس الانتقالي ومحاولات تفريغ قواته وتشتيتها.
ومن هنا، تبرز أهمية معرفة ما إذا كانت الدعوة قد جاءت استناداً إلى تفاهمات وضمانات غير معلنة، أم أنها طُرحت قبل أن تظهر مؤشرات كافية على تغيّر الموقف السعودي من مشروع الجنوب، وهو موقف ظل رافضاً للاعتراف به.
فالمفارقة أن هذه الدعوة، بقدر ما تتصل بحق الجنوب، تفتح أمام الرياض باباً لمكسب سياسي كبير. إذ تضع عُمان وقطر أمام معادلة شديدة التعقيد: إما أن تتمكنا من إقناع مليشيا الحوثي بوقف ضرباتها على الأراضي السعودية، أو أن تجد المملكة في الاعتراف بدولة الجنوب ورقة قادرة على تغيير حسابات المنطقة وإعادة ترتيب مواقع أطرافها.
وهنا لا نتحدث عن خطوة عادية، بل عن ورقة قد تقلب حسابات من راهنوا على إضعاف الجنوب، وتحوّل الاعتراف بدولته من مطلب جنوبي إلى خيار ذي أبعاد إقليمية. وإذا كانت الرياض تبحث عن مخرج من معادلة التهديد الحوثي وتشابكات علاقاتها الإقليمية، فإن الاعتراف بحق شعب الجنوب في استعادة دولته قد يصبح أحد الخيارات التي يصعب تجاهلها.
ومع ذلك، فإن تشابك المصالح لا يعني بالضرورة أن الطريق بات ممهداً؛ فالمشهد يحمل أكثر من احتمال، وتبقى حقيقة التفاهمات السابقة للخطاب، إن وُجدت، هي ما يمكن أن يفسر طبيعة هذه الدعوة والرهانات المرتبطة بها.
أما ما لا ينبغي أن يغيب عن هذه الحسابات، فهو أن تضحيات القوات المسلحة الجنوبية ومعاناة شعب الجنوب ليست أوراقاً مفتوحة لخدمة مصالح الآخرين. فلا الرئيس الزُبيدي ولا شعب الجنوب قدّما كل تلك التضحيات كي يجددا الانتظار سنوات أخرى، بينما تبقى حقوقهما معلقة على تفاهمات إقليمية.
إن المطلوب أن تنعكس هذه التضحيات على واقع يحفظ كرامة شعب الجنوب، ويضمن حقه في تقرير مصيره واستعادة دولته. فمهما تشابكت المصالح وتبدلت التحالفات، تظل قيمة أي تفاهم بقدر ما يترجم حقوق الشعوب إلى واقع، لا بقدر ما يحققه من مكاسب للآخرين.



