الحكمة في زمن الفتنة…

لحج الغد – فتحي علوي السقاف
تمر العاصمة عدن بمنعطف حساس للغاية، يضع الجميع قيادةً وقبائل ومواطنين أمام اختبار حقيقي للمسؤولية الوطنية والوعي السياسي. عقب التسريبات المقلقة التي تزامنت مع صفقة تبادل الأسرى، والتي أشارت إلى احتمال إدراج أسماء متورطة في اغتيال القائد الجنوبي البطل، اللواء ثابت مثنى جواس، اشتعلت مشاعر الغضب الشعبي والقبلي.
وهو غضب مشروع تمامًا فالشهيد جواس لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان رمزًا وطنيًّا وجرحًا لا يمكن للجنوبيين نسيانه أو التهاون في القصاص له.
إن دعوات”النكف” القبلي والتحشيد المسلح صوب عدن كانت ردة فعل طبيعية لثقافة النخوة والرفض للضيم، وتعبيرًا عن قدسية دم الشهداء. ومع وصول الحشود المسلحة إلى مداخل العاصمة، كانت كل المؤشرات تتجه نحو “انفجار وشيك” وصِدام دامي قد يحرق الأخضر واليابس، ويُدخل العاصمة في نفق مظلم من الفوضى المستدامة التي لن تخدم سوى المتربصين بها.
في هذه اللحظة الفارقة، تجلت حكمة السلطة المحلية والأجهزة الأمنية في عدن، والتي تعاملت مع هذا السيل البشري الغاضب بعقلية”رجل الدولة” وليس بعقلية”الند العسكري”.
لقد اتخذت السلطة المحلية خياراً استراتيجياً شجاعاً بالالتزام بأعلى درجات ضبط النفس، رافضةً الانجرار إلى مربع المواجهة المسلحة. هذا الهدوء والتعامل المرن لم يكن ضعفًا فالقوات الأمنية قادرة على فرض إرادتها ولكنه كان نابعًا من إدراك عميق لعواقب الأمور..
إن أي طلقة كانت ستطلق، كانت ستسفك دمًا جنوبيًّا بأيدي جنوبية، وهو المحظور الذي يجب تجنبه مهما بلغت التحديات.
إن تحويل عدن إلى ساحة حرب شوارع هو الحلم الأكبر للقوى المتربصة التي تفشل في اختراق عدن عسكريًّا وتراهن على تفجيرها من الداخل.
إن حماية المدنيين والمؤسسات في العاصمة من الانزلاق إلى الفوضى والنهب والدمار أولوية قصوى
فباحتواء الموقف واستيعاب الغضب القبلي بالحوار والتهدئة، بدلًا من فوهات البنادق، أثبت أن السلطة المحلية في عدن تمتلك نضجًا سياسيًّا قادرًا على إدارة الأزمات المعقدة.
فالمرحلة القادمة تتطلب البناء على هذا الموقف الحكيم.
كما كان يجب على الحكومة الشرعية والجهات المعنية بملف الأسرى عدم تأخير الإيضاحات الشفافة والمسؤولة للقبائل وللرأي العام لطمأنتهم بأن دماء الشهيد جواس ورفاقه ليست محلًا للمساومة، وبالمقابل، على القوى القبلية والاجتماعية التمسك بالنظام والقانون والدور المؤسسي، لضمان انتزاع الحقوق دون تدمير المكتسبات الأمنية التي تحققت بدماء آلاف الشهداء.
لقد نجحت عدن في تفادي فخ الصدام المسلح، وأثبتت السلطة المحلية بأدائها العقلاني أن دماء المواطنين وحفظ السلم الأهلي هما الأولوية القصوى فوق كل اعتبار.



