صفحات من تاريخ لحج

ذكريات من لحج.. عندما كان القليل يكفي الجميع

*ذكريات من لحج.. عندما كان القليل يكفي الجميع*

*لحج:ياسر المقبلي معرار*

أين ذهب ذلك الزمن الذي كانت فيه الحياة تمضي بهدوء والناس ينامون على الطمأنينة ويستيقظون على الأمل؟

أين ذهب محلج صبر ومصنع الفيوش؟ تلك المعالم التي لم تكن مجرد منشآت إنتاجية في لحج بل كانت شرايين حياة تضخ الخير في بيوت الناس كانت أبوابها تفتح مع بزوغ الفجر فتتحرك معها أرزاق العائلات وأحلام البسطاء كان الراتب محدوداً لكنه محمّل بالبركة وكانت القناعة تملأ النفوس فتبدو الحياة أجمل مما هي عليه اليوم.

وأين ذهبت شوارع الطفولة؟ تلك التي كانت تضج بأصواتنا وضحكاتنا حتى المغيب كنا نصنع من أبسط الأشياء عالماً من الفرح ونركض خلف كرة صغيرة وكأننا نطارد أحلام الدنيا كلها لم تكن هناك شاشات تسلبنا أوقاتنا ولا هموم تسرق براءتنا بل كانت الأزقة ساحات للمحبة والجيرة والذكريات الجميلة.

أما اليوم فقد تغيرت الملامح كثيراً صمتت أماكن كانت تعج بالحياة وغابت وجوه كانت تمنح الشوارع دفئها أصبح الخوف يتسلل إلى قلوب الآباء على أبنائهم بعد أن كان الأمان يسكن الحارات والطرقات وأصبحت الأيام أثقل مما كانت عليه في ذاكرة الأمس.

وأين هيبة المدرسة التي كانت تصنع الرجال؟ كنا نقف في الطابور الصباحي باحترام وفخر يعلو النشيد الوطني فتتسابق إليه القلوب قبل الألسن. كان المعلم رمزاً للعلم والتربية وكانت السبورة نافذة نرى من خلالها مستقبلنا وكانت الطباشير البيضاء ترسم أحلام جيل كامل آمن بأن النجاح لا يأتي إلا بالاجتهاد والعلم.

واليوم حين تضعف المدارس وتخفت أنوار الكليات لا تخسر المجتمعات مبانيها فحسب بل تخسر أحلام أبنائها يموت حلم طالب كان يتطلع إلى أن يصبح طبيباً أو مهندساً أو معلماً وتنكسر دعوة أبٍ كان يرى في تعليم ابنه مستقبلاً أفضل للأسرة والوطن.

ذلك الزمن لم يكن مثالياً ولم يكن خالياً من التعب أو المعاناة لكنه كان أكثر دفئاً وإنسانية كانت البيوت تبنى بالمحبة قبل الإسمنت وكانت القلوب تتسع للجميع وكانت البركة تحضر في القليل فتجعله كثيراً اليوم ونحن نسترجع تلك الذكريات لا نبكي على الماضي بقدر ما نبحث عن القيم الجميلة التي صنعته قيم العمل والصدق والعلم والتكافل. فالأوطان لا تعود إلى أمجادها بالحنين وحده بل بإحياء تلك الروح التي جعلت من الإنسان أغلى ما نملك ومن العلم طريقاً للمستقبل ومن المحبة أساساً للحياة…