*الشهيد البطل منصور صالح عليوة الحوشبي.. حكاية فداءٍ كتبتها الدماء، وشقيقٌ جريح يواصل درب التضحية*
كتب / محمد مرشد عقابي
من المسيمير الحواشب إلى سواحل باب المندب.. شقيقان جمعهما ميدان الواجب، فسبق أحدهما إلى الشهادة، ونجا الآخر من إصابة بالغة، لتبقى حكاية أسرةٍ اختارت أن تقدم أغلى ما تملك دفاعًا عن الأرض والعرض والكرامة.
ليست كل حكايات الشهداء مجرد أخبارٍ عابرة تُروى عند رحيل أصحابها، وليست كل مواقف البطولة كلماتٍ تُكتب في لحظات الحزن ثم تطويها الأيام، فهناك رجالٌ يتركون خلفهم سيرةً تختصر معاني الفداء والتضحية، ويخلّفون من المواقف ما يجعل أسماءهم حاضرةً في ذاكرة أهلهم ورفاق دربهم وأبناء الأرض التي دافعوا عنها، ومن بين هذه الحكايات التي تختلط فيها مرارة الفقد بعظمة التضحية، تبرز حكاية الشهيد البطل منصور صالح عليوة الحوشبي، أحد أبطال قوات العمالقة الجنوبية، المنحدر من مديرية المسيمير الحواشب بمحافظة لحج، الذي ارتقى شهيدًا اليوم الأحد الموافق 18 أكتوبر 2026م، في جبهة باب المندب، وهو يؤدي واجبه المقدس في مواجهة مليشيات الحوثي الإرهابية.
إنها حكاية رجلٍ حمل روحه على كفه، ومضى إلى ميدان المواجهة مؤمنًا بأن للواجب رجالًا لا يتراجعون حين تشتد المحن، ولا يتخلون عن مواقعهم عندما يصبح الثمن أغلى ما يملكه الإنسان، حكاية بطلٍ لم تكن مشاركته في ميادين القتال مجرد حضورٍ عابر، بل كانت امتدادًا لموقفٍ اختاره بإرادته، وانحاز فيه إلى ما آمن به من واجب الدفاع عن الأرض والدين والعرض، حتى كتب خاتمة مسيرته بدمائه على تراب باب المندب.
*من المسيمير إلى باب المندب.. حين ينادي الواجب*
منذ بدء موجة التصعيد الأخيرة على السواحل الغربية وجبهة باب المندب، شدّ الشهيد منصور الحوشبي مئزره، وحمل سلاحه، وتوجه صوب ميادين الشرف والقتال، ملتحقًا برفاقه من أبطال قوات العمالقة الجنوبية، في مواجهة صلف وعدوان وبغي وعنجهية المليشيات الحوثية التي يخوضون ضدها معارك متواصلة.
لم يكن الطريق إلى الجبهة طريقًا مفروشًا بالطمأنينة، بل كان دربًا محفوفًا بالمخاطر، تتعاقب فيه ساعات الترقب والمواجهة، وتُختبر فيه عزائم الرجال عند اشتداد وطيس المعارك، ومع ذلك، مضى منصور إلى موقعه، مستعدًا لأداء واجبه، مدركًا أن ساحات المواجهة وميادين الوغى لا تمنح المقاتلين ضمانات العودة، وأن من يتقدم إلى خطوط النار يحمل في قلبه احتمال الفقد وروحه على اكفه كما يحمل إيمانه بضرورة الصمود.
هناك، في جبهة باب المندب، حيث تتقاطع أهمية الموقع مع قسوة المواجهات، وجد الشهيد منصور الحوشبي نفسه في قلب المعركة، مؤديًا مهمته إلى جانب رفاق السلاح، حتى جاء يومه الأخير ليرتقي شهيدًا في مواجهة مباشرة مع عناصر المليشيات الحوثية، مقبلًا غير مدبر مسطرا واحدة من أعظم المواقف البطولية في الشجاعة والإقدام.
رحل الجسد، لكن الحكاية لم ترحل، فقد ترك وراءه اسمًا ارتبط بالتضحية، وسيرةً ستظل تستدعيها ذاكرة المسيمير الحواشب كلما ذُكرت تضحيات أبنائها في جبهات القتال.
*شقيقه الأصغر محمد.. جرحٌ بالغ ونجاةٌ من الموت*
ولعل أكثر ما يمنح حكاية الشهيد منصور بُعدًا إنسانيًا مؤلمًا، ويجعل وقع رحيله أشد قسوةً على أسرته وأبناء منطقته، أن قصة التضحية لم تكن حكايته وحده، فقد سبقه شقيقه الأصغر محمد صالح عليوة الحوشبي إلى ميدان المواجهة، وكتب بدوره فصلًا من فصول الصمود، قبل أن يتعرض قبل يومين لإصابة خطيرة وبليغة في الرأس، كادت أن تودي بحياته لولا عناية الله.
أُصيب محمد وهو يؤدي واجبه في جبهة باب المندب ذاتها، متقدمًا الصفوف الأمامية، مشاركًا رفاقه في مواجهة المليشيات الحوثية، في مشهدٍ يكشف حجم المخاطر التي يتعرض لها المقاتلون الأبطال المرابطين في ثغور هذا الوطن.
وبينما كانت الأسرة تتشبث بالأمل في تعافي محمد من إصابته البالغة، جاءها نبأ استشهاد شقيقه الأكبر منصور، لتتداخل مشاعر القلق على الجريح مع ألم الفقد، ويصبح البيت الذي كان ينتظر سلامة أحد أبنائه أمام امتحانٍ قاسٍ برحيل الآخر.
أيُّ وجعٍ أشد من أن يُصاب الابن الأصغر إصابةً بالغة، ثم لا تلبث الأسرة أن تتلقى خبر استشهاد شقيقه الأكبر في الجبهة نفسها؟ وأيُّ ثقلٍ تحمله قلوب الآباء والأمهات والأهل حين يصبح الدعاء لسلامة جريحٍ ممزوجًا بالدعاء بالرحمة لشهيد؟
إنها لحظةٌ تختصر الوجه الإنساني العميق للحرب، حيث لا تقف الخسارة عند حدود الميدان، بل تمتد إلى البيوت والقلوب، وتترك في حياة الأسر جراحًا غائرة لا تقاس بعمق الإصابة وحده، وإنما بما تحمله من خوفٍ وحنينٍ وشوق ولهفة وغياب.
*شقيقان في درب التضحية.. واختبار قاسٍ لأسرة حوشبية*
إن اجتماع قصة استشهاد منصور مع إصابة شقيقه الأصغر محمد في الجبهة نفسها يمنح هذه الحكاية دلالةً إنسانية خاصة، فالشقيقان لم تجمعهما صلة الدم وحدها، بل جمعهما أيضًا الوجود في ميدان المواجهة، وتحمل المخاطر ذاتها، والسعي إلى أداء الواجب الذي حملا نفسيهما مسؤوليته.
منصور الذي اختتم مسيرته شهيدًا، ومحمد الذي يرقد جريحًا بعد إصابة خطيرة، يقدمان صورةً مؤلمة لما يمكن أن تتركه الحرب من آثار في أسرةٍ واحدة، فبينما يُوارى الشهيد الثرى، تتجه القلوب إلى الجريح، متضرعةً إلى الله أن يمنّ عليه بالشفاء، وأن يكتب له النجاة والعافية، وأن يلهم أهله الصبر والثبات.
ولا تختصر هذه القصة بطولة الأخوين في الإصابة أو الاستشهاد فحسب، بل تكشف أيضًا حجم الفاتورة الإنسانية التي يدفعها أبناء الجنوب في هذه المعركة المصيرية أمام عدو إرهابي غادر اصبح تهديده عابرا للحدود.
لقد كان منصور ابنًا للمسيمير الحواشب، وشقيقًا لمحمد، ورفيقًا لرجال حملوا معه السلاح في جبهة باب المندب، واليوم، باتت ذكراه مرتبطةً بتلك المفارقة القاسية التي جمعت بين دماء الشهيد وجراح أخيه، في حكاية ستظل حاضرةً في وجدان أسرته وأبناء منطقته.
*منصور الحوشبي.. آخر المعارك وأبقى الأثر*
في المعارك التي خاضها، اختار منصور أن يكون حاضرًا حيث تشتد المواجهة، وأن يؤدي مهمته إلى جانب رفاقه في قوات العمالقة الجنوبية. ومع تصاعد الأحداث في جبهة باب المندب، وجد نفسه أمام واحدة من أصعب لحظات مسيرته، حين تحولت المواجهة إلى فصلها الأخير، وانتهت رحلته باستشهاده يومنا هذا الأحد الموافق 18 أكتوبر 2026م.
ولم يكن استشهاده خبرًا عاديًا بالنسبة إلى أبناء المسيمير الحواشب، فكل شهيدٍ يعود اسمه إلى بلدته يترك خلفه مساحةً من الحزن، لكنه يترك أيضًا ذكرياتٍ ومواقف يستحضرها الأهل والرفاق، وتصبح جزءًا من سجل التضحيات التي عاشتها المنطقة خلال سنوات المواجهة.
لقد دفع منصور حياته ثمنًا للموقف الذي اتخذه، ورحل تاركًا أسرته أمام ألم الفراق، وشقيقه الأصغر أمام معركة التعافي من جراحه، ورفاقه أمام غياب رجلٍ كان يقاسمهم المخاطر والمسؤولية في الميدان.
وفي لحظات كهذه، لا تكفي الكلمات لتخفيف ألم الفقد، ولا تستطيع العبارات أن تعوض الأسرة عن ابنها، أو الشقيق عن أخيه، أو الرفاق عن صاحبهم، غير أن استحضار سيرته، وتوثيق قصته، والوقوف إلى جانب أسرته وشقيقه الجريح، تظل جميعها صورًا من الوفاء لمن رحل وهو يؤدي واجبه في سبيل هذا الوطن.
*باب المندب.. جبهةٌ تحفظ أسماء رجالها*
لم تكن جبهة باب المندب بالنسبة إلى الشهيد منصور مجرد موقعٍ جغرافي بعيد عن مسقط رأسه، بل كانت المكان الذي أمضى فيه أيامه الأخيرة، وفيه سطّر الفصل الأخير من حكايته، وهناك أيضًا أُصيب شقيقه الأصغر محمد، في واقعةٍ جعلت الجبهة ترتبط في ذاكرة أسرتهما بمزيجٍ من التضحية والألم والرجاء.
ومع استشهاد منصور، ارتقى إلى جواره عددٌ من زملائه الأبطال من أبناء الحواشب والجنوب وهما الشهيد البطل فخري رباش الحوشبي والشهيد البطل عبدالرحمن مازن فضل الحوشبي، بالإضافة إلى إصابة كوكبة أخرى من الأبطال الحواشب بجروح متفاوتة وهم في مواقع التصدي للمليشيات الحوثية، وهكذا اتسعت دائرة الحزن لتشمل أكثر من أسرة، وتحوّل نبأ الاستشهاد إلى فاجعةٍ جديدة لأهالي المديرية الذين يتابعون أخبار أبنائهم المرابطين في ثغور وجبهات الذود عن حياض الوطن.
إن توثيق أسماء الشهداء وسيرهم ليس مجرد إجراءٍ صحفي، بل هو حفظٌ للذاكرة، وإقرارٌ بأن خلف كل اسمٍ قصة إنسان، وأسرة تنتظر، وأحلامًا لم تكتمل، ورفاقًا سيستعيدون مواقفه كلما مروا بالمكان الذي جمعهم به.
ومن هنا، فإن الوفاء لمنصور لا يقتصر على رثائه أو تعداد مناقبه، بل يمتد إلى صون ذكرى جميع رفاقه الذين رحلوا معه، والاهتمام بأسرهم، وتقديم الدعم اللازم والرعاية للجرحى، وفي مقدمتهم شقيقه محمد الذي يحتاج اليوم إلى الدعاء والرعاية والوقوف إلى جانبه في رحلة العلاج والتعافي.
*خاتمة.. رحل منصور وبقيت الحكاية*
يرحل الرجال العظماء، لكن حكاياتهم تظل أكبر من الغياب، لأنها لا تتوقف عند لحظة الرحيل، بل تستمر في ذاكرة من عرفوهم، وفي وجدان أسرهم، وفي روايات رفاقهم الذين تقاسموا معهم ميادين الخطر.
وهكذا يرحل الشهيد البطل منصور صالح عليوة الحوشبي، أحد أبطال قوات العمالقة الجنوبية من أبناء مديرية المسيمير الحواشب بمحافظة لحج، بعد أن اختتم مسيرته الحافلة بالبذل والعطاء والتضحية في سبيل الوطن بالاستشهاد في جبهة باب المندب، تاركًا خلفه حكايةً تختلط فيها شجاعة الميدان بمرارة الفقد، وتتجاور فيها ذكرى الشهيد مع جراح شقيقه محمد.
رحم الله منصور رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وتقبله في الشهداء والصالحين، وألهم أسرته وأهله ومحبيه ورفاقه جميل الصبر وحسن العزاء، ونسأل الله أن يمنّ على شقيقه الجريح محمد بالشفاء العاجل، وأن يعيده إلى أهله سالمًا معافى، وأن يحفظ رفاقهما وسائر الجرحى والمقاتلين من أبناء الجنوب في كل الجبهات.
سلامٌ على منصور يوم مضى إلى ميدان الواجب، وسلامٌ على ذكراه يوم غاب جسده وبقي اسمه في قلوب أهله ورفاقه، وسلامٌ على كل أسرةٍ تحمل وجع الفقد، وتتشبث بالأمل، وتنتظر أن تنتهي أيام الحرب بالنصر والتمكين للجنوب وأهله لتستعيد ما سلبته منها هذه الأيام العصيبة.
إنا لله وإنا إليه راجعون.



