أخبار الجنوب

حين تتحول كرة القدم إلى رسالة سياسية.. قراءة في غضب الشارع الجنوبي.

حين تتحول كرة القدم إلى رسالة سياسية.. قراءة في غضب الشارع الجنوبي.

لحج الغد – د.عبدالسلام القطيبي

في المشهد السياسي، كثيراً ما تعجز الكلمات عن التعبير عمّا تختزنه الشعوب من مشاعر الغضب والإحباط، فتجد تلك المشاعر طريقها إلى مناسبات تبدو بعيدة عن السياسة، لكنها في حقيقتها تتحول إلى منصات للتعبير الشعبي الصامت. ولعل ما أعقب خسارة المنتخب السعودي أمام نظيره الإسباني مثّل أحد أكثر المشاهد دلالة على حجم الاحتقان المتراكم في الشارع الجنوبي خلال السنوات الأخيرة.

ففي الوقت الذي تابع فيه الملايين المباراة بوصفها حدثاً رياضياً، شهدت معظم المدن والمناطق والمرتفعات الجنوبية مظاهر احتفاء وإطلاق ألعاب نارية عبّرت عن حالة غضب مكبوتة ورغبة في التنفيس عن مشاعر الخذلان التي تراكمت بفعل التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة.

وجاء ذلك بعد أيام من المظاهرات المليونية التي شهدتها العاصمة عدن وعدد من مدن الجنوب، وآخرها الحشد الجماهيري الكبير في ساحة العروض في العاصمة عدن يوم السبت 21 يونيو 2026، والذي حمل رسائل سياسية واضحة بشأن مستقبل القضية الجنوبية.

ومن المهم التأكيد أن تلك المظاهر لم تكن موجّهة ضد الشعب السعودي الشقيق، الذي تربط أبناء الجنوب به علاقات تاريخية وروابط الدين والجوار والمصير المشترك، بل رآها كثير من الجنوبيين تعبيراً رمزياً عن الاعتراض على سياسات وقرارات يعتبرون أنها ألحقت ضرراً بقضيتهم الوطنية وأضعفت الشراكة التي تشكلت خلال سنوات المواجهة المشتركة.

فالشعوب لا تُحاسب بقرارات الحكومات، والمواطن السعودي ليس طرفاً في الخلافات السياسية التي صنعت حالة الإحباط الراهنة. غير أن ما حدث يكشف حجم الجرح الذي خلّفته التطورات الأخيرة في الوعي الجمعي الجنوبي، ومدى التحول الذي أصاب مشاعر الثقة التي بُنيت على سنوات من التضحيات المشتركة، لتتحول لدى كثيرين إلى شعور بالمرارة والاستياء.

وعندما تلجأ الشعوب إلى التعبير عن آلامها عبر حدث رياضي لا علاقة مباشرة له بالصراع السياسي، فإن ذلك لا يكون احتفالاً بنتيجة مباراة بقدر ما يكون انعكاساً لأزمة أعمق ورسالة احتجاج غير مباشرة. إنها لحظة تكشف حجم الفجوة بين تطلعات الناس والواقع الذي وجدوا أنفسهم أمامه، وتعكس مقدار الشعور بأن تضحياتهم لم تُقابل بما يرونه وفاءً أو تقديراً مستحقاً.

لقد حملت تلك المشاهد رسالة سياسية لا تخطئها العين، مفادها أن الشعوب قد تصبر طويلاً، وقد تتجاوز الكثير من الجراح، لكنها لا تنسى التضحيات التي قدمتها، ولا تتجاهل الإحساس بأن آمالها وقضيتها قد تعرضتا للتهميش. ومن هنا فإن قراءة هذه الرسائل بوعي ومسؤولية تبقى ضرورة سياسية قبل أن تتحول مشاعر الإحباط إلى قطيعة أعمق يصعب ترميمها.

إن ما جرى لم يكن حدثاً رياضياً عابراً، بل مؤشراً ومثيراً واضحاً على حالة المزاج الشعبي في الجنوب، وجرس إنذار يؤكد أن معالجة الأزمات لا تتم بتجاهل أصوات الشارع، وإنما بالإنصات إليها وفهم أسبابها والاستجابة العادلة لتطلعاتها الوطنية.

د.عبدالسلام القطيبي