هيمنة العملات الأجنبية في المعاملات التجارية الداخلية احد الاسباب الجوهرية لتدهور العملة المحلية
كتب/ د.علي حسن الخريشي

يكمن أحد أبرز الأسباب المباشرة للتدهور المتسارع في قيمة العملة المحلية في ظاهرة خطيرة تتمثل في هيمنة العملات الأجنبية – كالريال السعودي والدولار الأمريكي – على التعاملات التجارية داخل السوق المحلي. هذه الظاهرة، التي تحولت إلى ممارسة شبه يومية، تخلق حلقة مفرغة تزيد من ضعف عملتنا الوطنية وتفاقم الأزمة الاقتصادية.
الفكرة المحورية هي أن ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية ليس مجرد نتيجة لعوامل اقتصادية كلية فحسب، بل هو نتاج مباشر لزيادة الطلب المصطنع عليها داخل البلاد، ويمكن تفصيل ذلك في النقط التالية:
– تلجأ كبرى الشركات والمستوردين، ومن ضمنها شركات كبرى مثل مجموعة أولاد هائل سعيد أنعم وغيرها، إلى بيع منتجاتها للتجار بالعملة الأجنبية حصرًا. هذا الإجراء يجبر آلاف من تجار التجزئة على البحث اليومي عن الريال السعودي أو الدولار في السوق لتسيير أعمالهم.
– قانون العرض والطلب كنتيجة حتمية للنقطة السابقة، يزداد الطلب بشكل هائل على العملات الأجنبية من قبل شريحة واسعة من التجار. ووفقًا لقانون العرض والطلب، كلما زاد الطلب على سلعة (وهنا العملة الأجنبية) مع ثبات العرض، ارتفع سعرها مقابل العملة المحلية التي يتم التخلص منها لشرائها.
– هيمنة العملة الأجنبية على الأصول والإيجارات لم يقتصر الأمر على السلع التجارية، بل امتد ليشمل قطاعات حيوية أخرى؛ حيث أصبحت أسعار العقارات، والسيارات، وحتى عقود الإيجارات السكنية والتجارية تُسعّر وتُدفع بالعملة الأجنبية. هذا الأمر يرسخ ثقافة “الدولرة” ويجعل امتلاك العملة المحلية غير مرغوب فيه للمعاملات الكبيرة.
الهدف والحل المقترح فرض السيادة النقدية للعملة المحلية
إن الهدف الأساسي من هذا الطرح هو لفت انتباه الجهات المعنية في الدولة إلى أن مفتاح إيقاف هذا الانهيار يكمن في الداخل. الحل ليس مستحيلًا، بل يتطلب قرارًا سياديًا حازمًا يتمثل في الآتي:
إصدار تعميم فوري وحازم يطبق على كافة المؤسسات والشركات والأفراد في جميع المحافظات، ينص على ما يلي:
١- منع التعامل بالعملات الأجنبية منعًا باتًا في جميع عمليات البيع والشراء والتبادل التجاري المحلي.
٢- إلزام الجميع باستخدام العملة المحلية كأداة وحيدة ورسمية لتسعير وتسوية كافة المعاملات الداخلية، بما في ذلك السلع، والخدمات، والأصول (عقارات وسيارات)، وعقود الإيجارات.
٣- وضع آلية رقابية فعالة وتطبيق عقوبات صارمة ورادعة على كل من يخالف هذا التعميم، سواء كانت شركات كبرى أو أفرادًا.
في حال تم تطبيق هذا الإجراء بحزم، سيحدث الاتي:
– انخفاض الطلب على العملات الأجنبية: سيتوقف السباق المحموم لشراء العملات الأجنبية من السوق، مما سيؤدي إلى انخفاض الطلب عليها بشكل كبير.
– زيادة الطلب على العملة المحلية سيصبح الجميع مضطرًا للبحث عن العملة المحلية والتمسك بها لإتمام معاملاتهم اليومية والكبرى، مما سيرفع من قيمتها ويزيد من الطلب عليها.
– استعادة الثقة والقيمة: مع زيادة الطلب على العملة المحلية وانخفاضه على الأجنبية، من المتوقع أن تستعيد العملة المحلية جزءًا كبيرًا من قيمتها المفقودة، وقد تصل إلى مستويات غير متوقعة، مما سينعكس إيجابًا على حياة المواطن وقوته الشرائية.
إن ترك السوق المحلي يتعامل بعملات غير عملته الوطنية هو بمثابة التخلي عن أهم أدوات السيادة النقدية والاقتصادية. والحل يبدأ من قرار شجاع يعيد للعملة المحلية هيبتها وقيمتها.
