أخبار الجنوب

*ملحمة فداء لا تموت.. القائد الجريح الشيخ عبدالصمد عبدالخالق باشه الحوشبي.. أسطورة جنوبية كُتبت بالدم*

Img 20261030 Wa0003تقرير – خاص

ليست كل الجراح هزيمة، فبعض الجراح أوسمة شرف تُعلق على صدر الأبطال، وبعض الدماء حبرٌ يُكتب به تاريخ الأوطان، وفي سجل المقاومة الجنوبية الباسلة، يقف اسمٌ شامخٌ كنخلةٍ لا تنحني، اسمٌ صار عنواناً للفداء والتضحية التي لا نظير لها.. إنه القائد الجريح الشيخ عبدالصمد عبدالخالق باشه الحوشبي.

منذ العام 2015، العام الذي اشتعلت فيه شرارة الكرامة الأولى، وانطلقت فيه صرخة المقاومة الجنوبية المسلحة في وجه المد الفارسي وذراعه الإرهابية مليشيا الحوثي، كان هناك فارسٌ يمتطي صهوة الموت لا يهابه، يصول ويجول في كل ميادين الوغى. من جبهة إلى جبهة، ومن مترس إلى مترس، كان الحوشبي حاضراً حيث يكون الرصاص أشدّ ضراوة، وحيث يكون الوطن في أمسّ الحاجة لرجاله.

إحدى عشرة سنة من النضال المتواصل، أحد عشر عاماً وجسد هذا البطل الجنوبي يتلقى الطعنات نيابة عن وطن بأكمله. لم تكن مسيرته نزهة، بل كانت محطاتٍ متتالية من البذل والعطاء والفداء. يُصاب فيُحمل من الميدان، وما إن يلتئم جرحه قليلاً، وما إن يستطيع الوقوف، حتى يعود مسرعاً إلى الجبهة، كأنه على موعد مع الشهادة لا يخلفه. عهدناه صنديداً مقداماً، شجاعاً لا يعرف التقهقر، ورجلاً إذا قال فعل، وإذا وعد أوفى.

وآخر فصول هذه الملحمة البطولية الخالدة، سُطرت قبل أيام في جبهة باب المندب، بوابة اليمن ودرع العروبة، حيث كان الشيخ عبدالصمد في مقدمة الصفوف يتصدى لزحف مرتزقة وجحافل العصابة الحوثية الإيرانية.

هناك، وفي لحظة مواجهة مباشرة، أطلقت عناصر المليشيا الإرهابية وابلاً من الرصاص من سلاح معدل، فاخترق جسد القائد عياران غادران استقرا في الجانب الأيسر من صدره، على بعد سنتيمترات قليلة فقط من القلب.. كأن القدر أراد أن يبقيه شاهداً حياً على إجرام هذه العصابة. الإصابة كانت بليغة وقاتلة بكل المقاييس، تسببت بكسور مضاعفة في الأضلاع، واختراق مباشر للرئة اليسرى، وكسور في يده اليسرى، ليرسم جسده الطاهر لوحة جديدة من التضحية.

نُقل القائد الجريح وهو يسبح في دمائه، لكن روحه كانت أشد صلابة من الرصاص.

واليوم، ومن على سرير الألم، من بين أنابيب التنفس وضمادات الجراح الغائرة، ينهض الحوشبي مرة أخرى، ليس بجسده الممزق، بل بعزيمته التي لا تلين. ورغم أنين الجراح وآلامه الشديدة التي تفتت الصخر، إلا أن صوته لا يزال يجلجل بنفس القسم الذي عرفه الرجال عنه:

“سأعود.. أقسم بالله سأعود إلى ميادين الشرف والبطولة، سأعود للقتال والتصدي لمليشيا الحوثي الإرهابية حتى آخر نفس في حياتي، حتى نطهر بلادنا من شر هذه العصابة الإجرامية والشرذمة الباغية.. النصر أو الشهادة”.

إنه ليس مجرد قائد ميداني، إنه مدرسة في الوطنية، ورمزٌ للجنوبي الحر الذي لا يساوم على أرضه وعرضه ودينه. قصة الشيخ عبدالصمد الحوشبي هي قصة وطنٍ كامل يأبى الخنوع، وقصة جيلٍ آمن أن الحرية لا تُوهب بل تُنتزع انتزاعاً، وأن ثمنها دماء الرجال الصادقين.

فسلامٌ على صدرٍ تلقى الرصاص عنا، وسلامٌ على رئةٍ تنفست بارود العزة، وسلامٌ على يدٍ كُسرت وهي تحمل السلاح دفاعاً عنا. وسلامٌ على القائد الجريح البطل الشيخ عبدالصمد الحوشبي، حتى يعود إلى جبهته فارساً كما عهدناه.