القبيلة بين هيبة الزعامة وحرية الإرادة

*القبيلة بين هيبة الزعامة وحرية الإرادة*
لحج الغد هاني كرد
تكشف لنا صفحات التاريخ أن مواقف الشعوب وتحولاتها الكبرى لا تتشكل دائما وفق قناعات أفرادها، بل قد تتأثر بصورة كبيرة بمواقف الزعامات والقيادات التي تتصدرها…فقد تقودها إلى الخير والاستقرار، وقد تدفعها إلى الصراع والضياع حين تتحول الزعامة من وسيلة لخدمة الناس إلى أداة للسيطرة على إرادتهم وتوجيه خياراتهم.
*ومن الشواهد التاريخية* التي يمكن الوقوف أمامها ما يُروى عن *يوم الردم، أو الرزم*، الذي وقع بين همدان ومراد في الجاهلية، وما ترتب عليه من خسائر في صفوف مراد… *وتذكر بعض الروايات* أسماء عدد من قتلى مراد، فيما *نجا فروة بن مسيك* المرادي، الذي قدم بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم.
*وتورد كتب السيرة* أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله عما إذا كان ما أصاب قومه يوم الردم قد أحزنه…فأجابه بأن مثل هذا الأمر لا بد أن يحزن الإنسان، *فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرًا”*… ثم ولاه على مراد وزبيد ومذحج، وأرسل معه خالد بن سعيد في شأن الصدقات، وفق ما تذكره الروايات….
*وتلفت هذه الحادثة* النظر إلى أن الصراعات القبلية وموازين القوة التي حكمت حياة العرب قبل الإسلام لم تكن نهاية الطريق!… وأن التحولات الكبرى قد تفتح أمام القبائل أبوابا جديدة حين تتغير الظروف وتتوافر القيادة التي توجهها نحو مسار مختلف…ولا يعني ذلك الجزم بأن مقتل زعماء بعينهم كان سببا مباشرا في إسلام مراد، فهذه نتيجة لا تثبت بمجرد تعاقب الأحداث، وإنما المقصود أن التاريخ يبرز أثر القيادات والمواقف في توجيه المجتمعات.
*وتتعدد الشواهد* على هذا الأثر في التاريخ…*فقد وقف أبو جهل* موقفا شديد العداء من دعوة الإسلام…وكان من أبرز من صدوا عنها، *بينما أسهم الطفيل بن عمرو الدوسي* في دعوة قومه إلى الإسلام، وظل يسعى إلى هدايتهم حتى استجاب له الجميع…*كما كان لمسيلمة الكذاب* أثر كبير في انحراف قطاع من بني حنيفة عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، قبل أن تعود القبيلة إلى جماعة المسلمين بعد انتهاء حركته…*وتبين هذه الأمثلة* كيف يمكن لمواقف القادة أن تؤثر في اتجاهات أتباعهم، من غير أن يعني ذلك أن أفراد الجماعة يفقدون مسؤوليتهم عن اختياراتهم!..
*وهكذا، لا يقتصر أثر الزعامات* في توجيه المجتمعات على التاريخ القديم، بل تتكرر هذه الظاهرة في عصور مختلفة، وإن اختلفت الظروف والأشكال… فحين يحتكر القادة القرار، ويصبح موقفهم هو الموقف الذي يُطلب من الجميع تبنيه دون نقاش، قد تجد الجماعات نفسها منخرطة في صراعات ومشاريع لا تعبّر بالضرورة عن قناعات جميع أفرادها، ولا تحقق مصالحهم… *وهذه الإشكالية لا تزال حاضرة* في واقعنا اليمني، حيث تقدم تجربة جماعة الحوثي مثالا واضحا على استغلال النفوذ القبلي في خدمة مشروع سياسي وسلالي.
*فمنذ انقلاب الحوثيين* على الدولة وسيطرتهم على صنعاء عام 2014، *أسهم بعض مشايخ القبائل* في تمكين الجماعة وتوسيع نفوذها، وساعدوها على حشد أعداد كبيرة من أبناء القبائل والزج بهم في حروبها ضد الدولة والجمهورية… ولم يكن بالضرورة أن جميع أبناء تلك القبائل مقتنعون بمواقف مشايخهم أو موافقون عليها، لكن النفوذ القبلي والتبعية للزعامة دفعا كثيرين إلى الانخراط في معارك لم يختاروها عن قناعة مستقلة.
*وقد دفع أبناء هذه القبائل أثمانا باهظة* من دمائهم وأمنهم واستقرارهم، فسقط الآلاف منهم بين قتيل وجريح، في حروب لم تحقق لقبائلهم ما تستحقه من أمن أو كرامة أو تنمية…بل جرى توظيف تضحياتهم في خدمة *مشروع يقوم على احتكار الحكم والثروة والنفوذ باسم السلالة*، وترسيخ سلطة عبد الملك الحوثي وأسرته، لا بناء دولة يتساوى فيها اليمنيون، ولا تحقيق مصالح القبائل التي قدمت أبناءها وقودا لهذه الحروب…
*والأخطر أن هذا النهج لا يقتصر على حشد المقاتلين*، بل يقوم أيضا على استمالة بعض الزعامات القبلية بالوعود والمصالح والأموال، ثم توظيف نفوذها في تعبئة أبنائها لخدمة المشروع الحوثي… ويساعد على استمرار ذلك ضعف الوعي السياسي والجهل لدى بعض أبناء القبائل، واستسلامهم لقرارات مشايخهم من دون تمحيص أو مساءلة، فيُدفعون إلى مواجهة الدولة والانقلاب على مؤسساتها، بينما تتركز المكاسب في أيدي قيادة الجماعة، وتتحمل القبائل وحدها جانبا كبيرا من الخسائر.
*وهذا النهج ليس وليد اليوم!*…فاستغلال الانتماءات القبلية وتوظيف الولاءات الاجتماعية لخدمة مشروع قائم على الامتياز السلالي يمثلان، في نظرنا، امتدادا لأساليب عرفتها مراحل مختلفة من تاريخ اليمن… غير أن تكرار هذه الممارسات لا يعفي أبناء القبائل من مسؤولية مراجعة مواقفهم، ولا يبرر أن يظل مستقبلهم مرهونًا بقرارات زعامات قد تقدم مصالحها أو تحالفاتها على مصالح المجتمع وأبنائه.
*وتتجلى المفارقة بوضوح حين تنقلب* جماعة الحوثي على بعض الشخصيات والقيادات القبلية التي ساندتها، ويتعرض عدد منها للاعتداء أو القتل والسحل ، بحسب ما تناولته تقارير وأخبار متعددة. *فالجماعة التي استعان بها بعض المشايخ* لتحقيق مكاسب أو تعزيز نفوذهم قد تتحول إلى مصدر تهديد لهم عندما تتعارض مصالحهم مع مصالحها… لكن العبرة هنا ليست في مصير الأشخاص، ولا في الشماتة بمن تعرضوا للأذى، وإنما في الدرس الذي ينبغي أن يستوعبه المجتمع… إن الارتهان للقوة المسلحة والمراهنة على المشاريع القائمة على الإقصاء لا يضمنان الحماية، بل قد يقودان إلى خسارة الوطن والأبناء وحتى الحلفاء أنفسهم!!…
*إن القضية الجوهرية ليست في استبدال شيخ* بآخر، ولا في إدانة الزعامات جميعها، وإنما في إنهاء ثقافة التبعية العمياء التي تجعل إرادة القبيلة رهينة موقف شخص واحد. فالقبيلة ليست ملكا لشيخها، وأبناؤها ليسوا تابعين بلا رأي أو إرادة، ومن حق كل فرد أن يحدد موقفه السياسي والوطني وفق قناعته ومصلحة وطنه، وأن يرفض الزج به في حروب لا يؤمن بها أو استخدام اسمه وقوته لخدمة مشاريع لا تحقق له ولأبنائه مستقبلا كريما.
*ومن هنا، فإن مواجهة المشروع الحوثي* لا تكون بالسلاح وحده، بل تحتاج أيضا إلى وعي اجتماعي يحرر أبناء القبائل من الاستغلال، ويكشف لهم الفارق بين الدفاع عن الوطن وخدمة مشروع سلالي، وبين الولاء للقبيلة وتحويلها إلى أداة في يد جماعة تسعى إلى احتكار الحكم… فالولاء الحقيقي للقبيلة يكون بحماية أبنائها وصون أرضها وكرامتهم، والمشاركة في بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية، لا على ادعاء الحق في الحكم بالنسب والسلالة…
*لقد علمنا التاريخ أن الزعامات* قد تكون سببا في نهضة المجتمعات، كما قد تصبح عائقا أمامها حين تحتكر القرار وتمنع الناس من التفكير المستقل… *وما يحتاجه اليمن اليوم ليس زوال الأشخاص* أو الانتقام منهم، بل تجاوز ثقافة التبعية التي تجعل مصير الجماعة رهينا بموقف قائدها، وبناء وعي يجعل كل يمني شريكا مسؤولا في حماية وطنه وتحديد مستقبله… فحين يمتلك أبناء القبائل إرادتهم ووعيهم، لن يكون من السهل استغلالهم في حروب تخدم مصالح الآخرين، ولن تبقى القبيلة وقودا لمشاريع تهدم الدولة وتستنزف أبناءها…



