أخبار المحافظات

الوعي في مواجهة الاستقطاب

*الوعي في مواجهة الاستقطاب*

 

لحج الغد/هاني كُرد

 

*إن فهم حاضر لحج* لا ينفصل عن قراءة ذاكرتها التاريخية؛ فالمجتمعات التي تعرف تاريخها تكون أقدر على فهم حاضرها، وأكثر قدرة على التعامل مع التحولات التي تطرأ عليها دون أن تفقد توازنها أو تسمح للآخرين بإعادة تشكيل وعيها وفكوها…

 

*ولحج بما تختزنه* من تاريخ طويل وحضور للعلماء والفقهاء والدعاة والأعيان، تملك رصيدا اجتماعيا وثقافيا يجعل استعادة دروس الماضي أمرًا يتجاوز مجرد استحضار الوقائع؛ فالتاريخ ليس صفحات تُروى للفخر، وإنما تجربة إنسانية بما فيها من صواب وخطأ، وحكمة وسوء تقدير، يمكن أن تساعد أبناء اليوم على قراءة تحدياتهم بوعي أكبر.

 

*ومن أبرز الشواهد* التي تستحق التوقف عندها ما جرى في القرن الثالث الهجري، حين تصدى الأمير ابن *أبي العلاء الأصبحي*، ومعه أبناء لحج من الأصابح وغيرهم… لحركة علي بن الفضل في المعركة الشهيرة بوادي سبأ صهيب.

 

*وتكمن أهمية هذه القصة* في دلالتها على حضور المجتمع ونخبه في مواجهة التحولات التي تهدد استقراره، لا في استدعائها لإحياء صراعات الماضي أو إسقاطها حرفيًا على الحاضر. فلكل عصر ظروفه وأدواته، لكن القاعدة التي تبقى صالحة هي أن المجتمع الواعي أكثر قدرة على حماية تماسكه عندما يمتلك المعرفة والثقة والقدرة على التمييز.

 

*في السنوات الأخيرة*، برزت في اليمن، كما في مناطق أخرى، أشكال متعددة من الاستقطاب السياسي والفكري والاجتماعي. *وما يتردد من أخبار عن وجود استقطاب* أو نشاط مرتبط بجماعة الحوثي في لحج يستدعي الانتباه والتعامل معه بجدية، مع ضرورة التحقق من التفاصيل عبر الجهات المختصة، وعدم تحويل الأخبار غير الموثقة إلى حقائق أو اتهامات.

 

*لكن النظر إلى الاستقطاب* بصورة أوسع يكشف أنه لا يسير في طريق واحد، ولا يعتمد على وسيلة واحدة… *بل قد يتخذ مسارات متداخلة*، تستفيد من الحاجة الاقتصادية، والخلافات السياسية، والاحتقان الاجتماعي، وضعف المؤسسات، وحالات الفراغ الأمني.

 

*وأول هذه المسارات* هو الاستقطاب الحوثي المباشر، ولا سيما بين الشباب، من خلال المال أو الإغراءات أو استغلال الحاجة الاقتصادية والظروف الاجتماعية، إلى جانب الخطاب الدعائي ومحاولات التأثير الفكري.

 

وهذا النوع من الاستقطاب لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد نشاط سياسي عابر!.. إذ إن استغلال حاجة الإنسان أو ظروفه الصعبة للوصول إلى قناعاته ومواقفه قد يفتح الباب أمام تغيير أعمق في الوعي والانتماء.

 

*أما المسار الثاني*، فيتمثل في محاولات استقطاب بعض الشخصيات والقيادات الجنوبية التي كان لها حضور سابق في مواجهة المشروع الحوثي أو في ساحات العمل العسكري والسياسي.

 

*فبعض الخلافات السياسية*، أو الحرمان من الوظيفة، أو الملاحقات، أو الصراعات التي شهدتها الساحة الجنوبية، قد تدفع بعض الشخصيات إلى إعادة حساباتها والانتقال إلى مواقع سياسية أخرى.

 

وهنا ينبغي التفريق بوضوح بين الخلاف السياسي المشروع وبين توظيف الخلافات والمظالم في مشاريع استقطاب منظمة.

 

*وقد ظهرت خلال السنوات الماضية* شخصيات جنوبية انتقلت إلى العمل من خارج مناطق سيطرة الحكومة، وبرزت في خطابها مواقف مرتبطة بالمشهد الحوثي، ومن الأسماء التي تُذكر في هذا السياق عادل الحسني وأمجد خالد وغيرهما.

 

ولا تكمن القضية في الأشخاص بأسمائهم بقدر ما تكمن في الظاهرة نفسها…!فحين يفقد المجتمع بعض رموزه أو قياداته نتيجة الصراعات والإقصاء والاحتقان، فإن الفراغ الذي ينشأ قد يصبح مدخلًا لاستقطابهم أو توظيفهم سياسيا وإعلاميا.

 

*أما المسار الثالث*، فيتمثل في استغلال الجماعات والعناصر الإرهابية والمتطرفة لحالات الفوضى والاضطراب وضعف الأمن.

 

ففي أوقات الحشد العسكري والمعارك والاضطرابات الأمنية، تستطيع هذه العناصر استغلال حالة الفراغ والخوف والوصول إلى بعض الشباب، سواء في محيط الجبهات أو المعسكرات أو المناطق التي تعاني من ضعف مؤسسات الدولة.

 

*ورغم اختلاف طبيعة هذه المسارات* وأدواتها ودوافعها، فإنها قد تلتقي في نتيجة واحدة تتمثل في إضعاف المجتمع، وتفكيك ثقته بمؤسساته، وتحويل أبنائه إلى أدوات في صراعات لا تخدم مصالحهم.

 

*ولا يعني التنبيه* إلى هذه المسارات اتهام كل من يختلف في الرأي، أو التشكيك في كل القيادات والرموز، أو مساواة جميع الأطراف ببعضها؛ فالمعيار ينبغي أن يقوم على الوقائع والأدلة والسلوك الواضح، لا على الشائعات والتعميم.

 

*ومن هنا، فإن حماية المجتمع* لا تعني فقط ملاحقة النتائج، بل معالجة الأسباب أيضًا: الفقر، والتهميش، والاحتقان، وضعف الثقة بالمؤسسات، وغياب الحوار، وانقطاع التواصل مع الشباب.

 

*فمواجهة الاستقطاب ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها*!، كما أنها ليست مسؤولية العلماء وحدهم؛ بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة والمدرسة والمسجد والجامعة والإعلام والمجتمع ومؤسسات الدولة.

 

*يا أبناء لحج*، إن الحفاظ على تماسك المجتمع يبدأ من داخل البيوت، ومن الطريقة التي نربي بها أبناءنا على معرفة تاريخهم ودينهم وقيمهم.

 

*عرّفوا أبناءكم* بتاريخ آبائهم وأجدادهم، وبالعلماء والفقهاء الذين كان لهم حضور في حياة المجتمع، واجعلوا من التاريخ وسيلة لفهم الحاضر، لا مجرد صفحات للفخر.

 

*وعلّموهم في الوقت نفسه كيف يقرؤون التاريخ*، وكيف يميزون بين الرواية والحقيقة، وبين العلم والدعاية، وبين الاختلاف الطبيعي والاستقطاب المنظم.

كونوا يقظين أمام محاولات استغلال الحاجة أو الخلافات أو المظالم لزرع الفرقة، واحرصوا على أن يبقى الحوار داخل المجتمع قائمًا على العقل والاحترام والعدل.

*فالمجتمع الواعي* ليس هو الذي يلغي الاختلاف، وإنما الذي يعرف كيف يديره دون أن يتحول إلى عداوة.

 

*وأقول للعلماء والدعاة في لحج*…إن حضوركم بين الناس ضرورة، خصوصا في زمن تتعدد فيه مصادر المعرفة وتتسع فيه مساحة التأثير على الشباب.

 

*افتحوا أبواب الحوار*، واستمعوا إلى أسئلتهم ومخاوفهم، وقدّموا الإجابات العلمية الواضحة بعيدا عن التعقيد والتخوين.

 

إن الشاب الذي يجد من يصغي إليه، ويجيبه بالحجة، ويمنحه مساحة للسؤال والنقاش، يكون أكثر قدرة على التمييز بين العلم والدعاية.

 

*واجعلوا خطابكم* قريبا من واقع الناس، يعالج قضاياهم ويمنحهم مناعة فكرية وأخلاقية، ويؤكد أن الاختلاف لا يعني الخصومة، وأن الحوار لا ينتقص من الثوابت.

 

 

*أما السلطة المحلية والأجهزة الأمنية*، فإن مسؤوليتها تبدأ من بناء بيئة مستقرة يشعر فيها المواطن بأن القانون هو المرجع، وأن المؤسسات تعمل بتنسيق ومسؤولية.

 

فإن هذه المرحلة تتطلب تعزيز التنسيق بين مؤسسات المحافظة، ومعالجة الملفات الأمنية والاجتماعية بروح المسؤولية، والعمل على سد الثغرات التي يمكن أن تستغلها أي جهة تسعى إلى زعزعة الاستقرار.

 

وإن اللقاءات المستمرة مع القيادات الأمنية والمجتمعية تمثل خطوة مهمة نحو توحيد الجهود، ونأمل أن يتعزز التنسيق بين إدارة الأمن ومديري أمن المديريات والجهات المختصة.

 

وفي القضايا التي تمس الأمن والاستقرار، ينبغي أن تستند الإجراءات إلى المعلومات الدقيقة والأدلة والتحقيقات والقانون، بعيدًا عن ردود الأفعال أو الأحكام المسبقة.

 

فحماية الأمن مسؤولية، وحماية حقوق المواطنين مسؤولية أخرى لا تقل أهمية، وكلاهما لا يتحقق إلا بمؤسسات قوية وإجراءات واضحة وعادلة.

 

 

 

*وأقول للإعلاميين*..أنتم في قلب المشهد، والكلمة التي تخرج من منصاتكم قد يكون أثرها أوسع من الحدث نفسه.

 

لذلك، في القضايا الحساسة، اجعلوا التحقق سابقا للنشر، وافصلوا بوضوح بين الخبر والاتهام والرأي!!.

 

*لا تجعلوا من المنصة الإعلامية* ساحة لتصفية الحسابات أو التشهير بالأشخاص. وإذا تعلق الخبر بإنسان، فتذكروا أن وراء الاسم أسرة وسمعة وحقوقا؛ ولذلك فإن المهنية تقتضي منح الوقائع حقها من التحقق، ومنح الأطراف المعنية حق الرد متى كان ذلك ممكنًا.

 

*اكتبوا ما يوضح للناس*، لا ما يربكهم؛ وما يساعد على فهم المشكلة، لا ما يضاعفها.

 

فالإعلام المسؤول لا يقاس بسرعة نشر الخبر، وإنما بقدرته على الوصول إلى الحقيقة دون أن يتحول إلى جزء من المشكلة.

 

 

*إن حماية لحج* لا تكون باستعادة صراعات الماضي، ولا بتحويل كل خلاف سياسي إلى معركة مجتمعية، وإنما ببناء وعي يجعل أبناءها قادرين على التمييز بين الاختلاف الطبيعي والاستقطاب المنظم، وبين النقد المشروع والدعاية، وبين المطالبة بالحقوق والانخراط في مشاريع تهدد المجتمع.

 

*والوعي الذي تحتاجه لحج* اليوم ليس وعيا يقوم على الخوف من الآخر، وإنما وعي يقوم على المعرفة والثقة والقدرة على التحقق والحوار.

 

*فالشاب الذي يعرف تاريخه*، ويفهم دينه، ويمتلك القدرة على السؤال والنقاش، ويجد أمامه مؤسسات تحترمه وتحمي حقوقه، يكون أكثر قدرة على مقاومة محاولات الاستغلال والاستقطاب!!.

*ولهذا فإن حماية المجتمع* تبدأ من أكثر من اتجاه في الوقت نفسه: من أسرة حاضرة، ومدرسة واعية، وعالم قريب من الناس، وإعلام مهني، ومؤسسات دولة تعمل بالقانون، ومجتمع يرفض تحويل شبابه إلى أدوات في صراعات الآخرين.