بين وجع المواطن ودلال النزوح… عندما يصبح ابن الدار غريباً وجائعاً!

لحج الغد / بقلم/ أنسام الفقيه
في مشهد عبثي يعجز القلم أحياناً عن وصف تفاصيله بدقة تعيش مناطقنا اليوم مفارقة مريرة ومعادلة مقلوبة باتت تؤرق كل عقل وتدمي كل قلب فعندما يتحول المواطن الأصلي صاحب الأرض والدار إلى ضيف ثقيل على لقمة عيشه بينما ينعم النازح برعاية متكاملة ودعم منظمات غير منقطع فإننا أمام أزمة إنسانية واجتماعية تتجاوز مفهوم النزوح التقليدي لتضرب في عمق الكرامة الوطنية والمجتمعية
مواطن في وطنه.. بلا سند ولا معين
يقف المواطن البسيط اليوم عاجزاً أمام موجة غلاء لا تنتهي وانهيار اقتصادي أكل الأخضر واليابس إنه يكافح بصمت بلا رواتب منتظمة وبلا أي شبكة حماية اجتماعية تقيه شر الجوع والمرض يخرج كل صباح باحثاً عن أثاث لقمة العيش لعائلته ليعود خالي الوفاض محطماً يشهد بصمت كيف تحولت أرضه إلى مسرح لمعاناة لا تنتهي.
إنه الجوع المقنع بستار العزة مواطن يعيش الفقر المدقع في وطنه لا يحظى ببرنامج إغاثي يلتفت إليه ولا بمنظمة دولية تسجل اسمه في كشوفاتها لأنه وببساطة شديدة ليس نازحاً وكأن المواطنة هنا باتت تهمة تحرم صاحبها من أبسط حقوق الحياة الكريمة
النازح والمساعدات رعاية تفوق الأحلام
في المقابل ونتيجة لحالة اللجوء الإنساني والاهتمام الدولي الموجه نجد أن النازح معه كامل التعاطف مع ظروفه الإنسانية وقسوة تهجيره قد حظي بمنظومة دعم متكاملة سلة غذائية شهرية ومساعدات نقدية ومخيمات مجهزة ورعاية صحية وتدخلات إنسانية مستمرة من عشرات المنظمات الأممية والمحلية شيئاً فشيئاً تحسنت ظروف الكثير من النازحين وتجاوزوا مرحلة الخطر ليصبح حال بعضهم المعيشي والمادي أفضل بكثير من حال المواطن المضيف الذي تقاسم معهم لقمة العيش يوماً وبات اليوم يعاني الأمرين
مرارة العوز ومرارة التهميش على أرضه
عدالة غائبة وانفجار مجتمعي مرتقب
إن هذا الخلل الواضح في معايير الاستهداف الإنساني أفرز شعوراً عارماً بالغبن لدى المجتمع المضيف فالمساعدات التي تأتي لـ إغاثة المتضررين تحولت في كثير من الأحيان إلى سبب لتعميق الهوة وتأجيج الشعور بالقهر إن استمرار تجاهل الحاجة الملحة للمواطنين المحليين وتركهم يصارعون الموت جوعاً مقابل التركيز المطلق على قطاع النازحين يضع المنظمات الإنسانية والجهات الرسمية أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية كبرى .
النزوح محنة إنسانية لا يختلف على قسوتها ولكن معالجة مأساة إنسانية لا يجب أن تكون أبداً على حساب خلق مأساة أخرى أشد فتكاً إن المواطن المضيف اليوم بحاجة ماسة إلى لفتة جادة وعادلة ومساواته في الرعاية الإغاثية والمعيشية فاستقرار المجتمع المضيف هو الحاضنة الأساسية لكل نازح ما لم تقم المنظمات والدولة بمراجعة شاملة لآليات الاستهداف وتوسيع مظلة الحماية لتشمل الجميع دون تمييز فإننا سنكون أمام مفارقة عجيبة نازح يعيش في رفاهية نسبية ومواطن يجوع في داره!


