أخبار الجنوبأخبار لحج

وأما الزبد فيذهب جفاءً…

لحج الغد _ردفان خاص

وأما الزبد فيذهب جفاءً…

في الآونة الأخيرة، عمّت الفوضى مواقع التواصل الاجتماعي، وارتفعت الأصوات، وتكاثرت ردود الأفعال، وكأنها خرجت من جحورها في توقيتٍ لم يكن صدفة ولا وليد لحظة عابرة.

نحن نتحدث عن أولئك الذين باعوا مواقفهم، وبدّلوا مبادئهم، وأصبحوا يتقلبون مع المصالح كما تتقلب الريح. كانوا يخفون السم في العسل، ويتحينون الفرص حتى يطعنوا الوطن والشعب، ومن وقف معهم ذات يوم.

نعم، عن بعض من يسمون أنفسهم “سياسيين وإعلاميين”، ممن منحتهم الأيام فرصة لم يحلموا بها، وأُخرجوا من عمق الفقر والتهميش إلى مواقع لم تكن لتفتح أبوابها لهم لولا أيادٍ آمنت بهم، واحتضنتهم، وصنعت منهم شيئاً بعد أن كانوا في حسابات الواقع لا شيء.

لكن ماذا حدث؟
تغيّر المبدأ.
وتبدّل الخطاب.
وانقلبت المواقف.
وأصبح من كان بالأمس مدافعاً، اليوم يرفع الخنجر نفسه في خاصرة من احتضنه.

العجب ليس في أن تغيّر رأيك، فهذا شأنك. ولا في أن تراجع موقفك السياسي، فهذا حقك. ولا حتى في أن تختلف مع من كان قريباً منك، فهذا أمر طبيعي في السياسة.
العجب أن تنكر الفضل، وتعض اليد التي امتدت إليك، وتحول المعروف إلى تهمة، والاحتضان إلى جريمة، ثم تقف أمام الناس متباهياً بخنجرك الصدئ.

المشكلة ليست في الاختلاف، بل في سقوط المروءة. ليست في أن يكون لك رأي آخر، وإنما في أن تجعل من تاريخك سلعة، ومن مواقفك مزاداً، ومن الذين صنعوا لك مكاناً خصوماً تتفنن في طعنهم.

هناك فرق كبير بين أن تكون حراً في موقفك، وبين أن تكون عبداً لمصلحتك. والأخطر أن بعض هؤلاء لم يكتفِ بتغيير مواقفه، بل ذهب بعيداً في الإساءة والتجريح، وكأن الذاكرة الشعبية قد مُسحت، وكأن الناس لا تتذكر من كان، ومن أين جاء، ومن فتح له الأبواب، ومن وقف إلى جانبه حين لم يره أحد.

لكنهم أخطأوا الحساب.
فالناس قد تصمت، وقد تتغاضى، وقد تترفع عن الصغائر، وقد تقول: دعوه… الأيام كفيلة به.
إلا أن للصبر حدوداً، وللتغاضي نهاية، وللكرامة لحظة إذا وصلت إليها لم يعد الصمت فضيلة.

ولهذا نقول لمن يخرج اليوم لإدانة كل رد فعل شعبي:
تمهّلوا قليلاً.
لا تضعوا الضحية والجلاد في كفة واحدة.
لا تطلبوا من الناس أن يكونوا ملائكة أمام من استفزهم طويلاً، واستفز ذاكرتهم وكرامتهم.

نحن لا نبرر الإساءة، ولا ندعو إلى التجاوز، ولا نقبل أن تتحول الخلافات السياسية إلى شتائم أو اعتداءات. لكننا نقول: افهموا حجم الجرح قبل أن تحاكموا صرخة المصاب.

لقد بالغ بعض هؤلاء في الاستفزاز، حتى ظنوا أن الشعب بلا ذاكرة، وأن الكرامة يمكن أن تُداس بلا ثمن، وأن كل شيء يُمحى بمنشور جديد.
لا يا سادة.
هناك أشياء لا تمحوها التغريدة، ولا يغطيها البث المباشر، ولا تنقذها عشرات المقابلات. وما يُزرع في ذاكرة الشعوب لا يُمحى بسهولة.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة أبسط من كل هذا الضجيج:
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً، وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.

سيذهب الزبد.
وستبقى المواقف.
وسيسقط من جعل نفسه سلعة في سوق المصالح.
وستبقى الأسماء التي وقفت عندما كان الوقوف مكلفاً، لا تلك التي انتظرت حتى تغيّرت موازين الريح.

أما من ظن أن صوته أعلى من ذاكرة شعب، وأن تغريداته أقوى من تاريخ وطن، وأن خنجره الصدئ يمكن أن يهزم الجبل، فنقول له ببساطة:
لا توقظوا من صمتكم من كنتم تظنون أنه نسي.

فبعض الصمت احترامٌ للوقت.
وبعض التغاضي ترفّع.
وبعض الردود، حين تأتي، لا تكون غضباً عابراً… بل نهايةً لصبرٍ طويل.

وكما يقول المثل الشعبي:
«الذبابة تجرح مقلة الأسد… لكنها لا تصبح أسداً.»

محمد حسين نصر العبدلي