نبض الفُلّ وعبق التاريخ: دراسة في سحر التراث الشعبي اللحجي وأصوله …

نبض الفُلّ وعبق التاريخ: دراسة في سحر التراث الشعبي اللحجي وأصوله …
المقدمة
تُعدّ محافظة لحج إحدى أهم الحواضر الثقافية والفنية في اليمن، وملاذاً للتراث الإنساني العريق الذي يتنفس الفن، والأدب، والإيقاع. إن التراث الشعبي اللحجي ليس مجرد حكايات أو فولكلور عابر، بل هو “هوية أمة” وذاكرة حية تجسدت في تفاصيل الحياة اليومية للرعية والفلاحين، وامتدت لتشمل مختلف مجالات الإبداع: من الرقصات الشعبية الهادرة إلى الأغاني الشجية، ومن غناء الأطفال وألعابهم إلى اللهجة، والحرف اليدوية، والنمط العمراني الفريد. إنها لوحة فنية متكاملة تتجلى فيها أصالة الإنسان اللحجي وارتباطه الوثيق بالأرض والفن…
أولاً: الرقص الشعبي اللحجي
تمتلك لحج تنوعاً كبيراً في الرقصات الشعبية التي شكلت اللون اللحجي الفريد، والمترابط بشكل وثيق مع الغناء اللحجي الأصيل. ونذكر منها:
الشرح
الرزحة
الدمندم
الدحيف
البتل
الحناء
نجيم الصباح
الشدّة
المزف
المركح
الزفنة
الهداني
الزفين المكلاوي
الميحة
التمسية
البدوي
الطمبرة
الليوة
الميسمبا
الجذبة
الزف
التوحيدة
الشرف
العسكرية
الهندية
البرع
يا علي أم سيف
ركلة الجولبة
العسيري
الزبيري
الحجيش
تعتمد معظم هذه الرقصات في إيقاعاتها على آلتي الهاجر والمراويس، بينما يعتمد بعضها الآخر—مثل رقصة “الجذبة”—على طبول الهاجر والكابر والردّاد. وتنفرد رقصة “الليوة” باستعمال آلة السمسمية، والطبل الطويل، وصحن القرع (المغراف).
ثانياً: الغناء الشعبي اللحجي
مرّت الأغنية الشعبية في لحج بثلاث مراحل تاريخية مفصلية:
مرحلة السائد الوراثي
مرحلة التشكيل الجديد
مرحلة النضج والاكتمال
1. مرحلة السائد الوراثي:
امتلكت لحج في هذه المرحلة تراثاً شعبياً هائلاً ومتنوعاً، تمثّل في: أغاني الحرب، وأغاني الحصاد والزراعة، والشراحة، والفلاحة، بالإضافة إلى أغاني الأعياد، والأفراح، ويوم عاشوراء. كانت الأغنية حاضرة في كل مكان: في الشارع، والمعركة، والحقل، وحتى الحزن والمآتم كان لها ترانيمها وأغانيها الخاصة، وكان لكل نوع منها إيقاعاته ورقصاته المميزة.
2. مرحلة التشكيل الجديد:
بدأت هذه المرحلة في ثمانينيات القرن التاسع عشر على يد بانيها الأول الفنان والشاعر والملحن فضل ماطر باجبل اللحجي؛ حيث أسس الأغنية الجديدة ونقلها من إطار البيت والبيتين إلى القصيدة المستقلة، لتصبح لاحقاً إحدى الدعائم الأساسية التي استندت إليها مرحلة النضج.
3. مرحلة النضج والاكتمال:
انطلقت هذه المرحلة عام 1926م، وكان رائدها ومبدعها الأمير أحمد فضل بن علي محسن العبدلي (الشهير بالقمندان). أدرك القمندان أهمية الأغنية اللحجية وأصالتها، فعمل على تطويرها، وتجديدها، وتأصيلها.
وكانت الأغاني قبل ذلك تُؤدّى بدون آلات موسيقية، أو بالاعتماد على الإيقاعات التقليدية ونمط الرقصات الشعبية. ومع دخول الآلات الوترية إلى لحج—وعلى رأسها العود—تعلّم القمندان العزف عليه، وبدأ في صياغة ألحانه العذبة المستوحاة من روح التراث القديم، وكيّف بعض ألحانه على الرقصات الشعبية المعروفة. كما أسس فرقه الموسيقية بالتعاون مع الفنان القدير فضل محمد اللحجي، والفنان مسعد أحمد حسين، مع عازفي الإيقاع من أولاد طفش (حسن وفضل)، وضاربي الهواجر في الرقصات الشعبية…
*نبض الفُلّ وعبق التاريخ: دراسة في سحر التراث الشعبي اللحجي وأصوله …*
المقدمة
تُعدّ محافظة لحج إحدى أهم الحواضر الثقافية والفنية في اليمن، وملاذاً للتراث الإنساني العريق الذي يتنفس الفن، والأدب، والإيقاع. إن التراث الشعبي اللحجي ليس مجرد حكايات أو فولكلور عابر، بل هو “هوية أمة” وذاكرة حية تجسدت في تفاصيل الحياة اليومية للرعية والفلاحين، وامتدت لتشمل مختلف مجالات الإبداع: من الرقصات الشعبية الهادرة إلى الأغاني الشجية، ومن غناء الأطفال وألعابهم إلى اللهجة، والحرف اليدوية، والنمط العمراني الفريد. إنها لوحة فنية متكاملة تتجلى فيها أصالة الإنسان اللحجي وارتباطه الوثيق بالأرض والفن.
أولاً: الرقص الشعبي اللحجي
تمتلك لحج تنوعاً كبيراً في الرقصات الشعبية التي شكلت اللون اللحجي الفريد، والمترابط بشكل وثيق مع الغناء اللحجي الأصيل. ونذكر منها:
الشرح
الرزحة
الدمندم
الدحيف
البتل
الحناء
نجيم الصباح
الشدّة
المزف
المركح
الزفنة
الهداني
الزفين المكلاوي
الميحة
التمسية
البدوي
الطمبرة
الليوة
الميسمبا
الجذبة
الزف
التوحيدة
الشرف
العسكرية
الهندية
البرع
يا علي أم سيف
ركلة الجولبة
العسيري
الزبيري
الحجيش
تعتمد معظم هذه الرقصات في إيقاعاتها على آلتي الهاجر والمراويس، بينما يعتمد بعضها الآخر—مثل رقصة “الجذبة”—على طبول الهاجر والكابر والردّاد. وتنفرد رقصة “الليوة” باستعمال آلة السمسمية، والطبل الطويل، وصحن القرع (المغراف).
ثانياً: الغناء الشعبي اللحجي
مرّت الأغنية الشعبية في لحج بثلاث مراحل تاريخية مفصلية:
مرحلة السائد الوراثي
مرحلة التشكيل الجديد
مرحلة النضج والاكتمال
1. مرحلة السائد الوراثي:
امتلكت لحج في هذه المرحلة تراثاً شعبياً هائلاً ومتنوعاً، تمثّل في: أغاني الحرب، وأغاني الحصاد والزراعة، والشراحة، والفلاحة، بالإضافة إلى أغاني الأعياد، والأفراح، ويوم عاشوراء. كانت الأغنية حاضرة في كل مكان: في الشارع، والمعركة، والحقل، وحتى الحزن والمآتم كان لها ترانيمها وأغانيها الخاصة، وكان لكل نوع منها إيقاعاته ورقصاته المميزة.
2. مرحلة التشكيل الجديد:
بدأت هذه المرحلة في ثمانينيات القرن التاسع عشر على يد بانيها الأول الفنان والشاعر والملحن فضل ماطر باجبل اللحجي؛ حيث أسس الأغنية الجديدة ونقلها من إطار البيت والبيتين إلى القصيدة المستقلة، لتصبح لاحقاً إحدى الدعائم الأساسية التي استندت إليها مرحلة النضج.
3. مرحلة النضج والاكتمال:
انطلقت هذه المرحلة عام 1926م، وكان رائدها ومبدعها الأمير أحمد فضل بن علي محسن العبدلي (الشهير بالقمندان). أدرك القمندان أهمية الأغنية اللحجية وأصالتها، فعمل على تطويرها، وتجديدها، وتأصيلها.
وكانت الأغاني قبل ذلك تُؤدّى بدون آلات موسيقية، أو بالاعتماد على الإيقاعات التقليدية ونمط الرقصات الشعبية. ومع دخول الآلات الوترية إلى لحج—وعلى رأسها العود—تعلّم القمندان العزف عليه، وبدأ في صياغة ألحانه العذبة المستوحاة من روح التراث القديم، وكيّف بعض ألحانه على الرقصات الشعبية المعروفة.
كما أسس القمندان فرقه الموسيقية بالتعاون مع الفنان القدير فضل محمد اللحجي، والفنان مسعد أحمد حسين، والشاعر عوض مبارك بانبيلة الذي أطلق لاحقاً على التجمع الفني اسم “ندوة الطرب القمنداني”. وكان معهم عازفو الإيقاع من أولاد طفش (حسن وفضل)، وضاربو الهواجر في الرقصات الشعبية.
وقد اقتنى القمندان جهاز “الفونوغراف” (صندوق الطرب، أو كما كان يُطلق عليه محلياً “القمبوص”)، وكان يستمع عبره برفقة فرقته إلى أسطوانات الأغاني المصرية والهندية؛ مما أتاح له الاطلاع على ثقافات موسيقية متعددة أثرت إبداعه وشكّلت ريادته الفنية.
ثالثاً: أغاني الطفولة والصِبا
ترافق أغاني الأطفال رقصات شعبية يلعبها البنون والبنات، ومنها أغاني الأعياد (عيد الفطر وعيد الأضحى)، حيث تشدو البنات قائلات:
واعيدوه.. عيد أمي وبوي
واعيدوه.. أمي تظلي هافشة
واعيدوه.. كما الدجاجة الحافشة
واعيدوه.. وبوي يظلي محتبي
واعيدوه.. في ذكرهم والنبي
وفي موسم السيول، تتجه البنات إلى “الاعبار” (مباطن ومجاري السيول) للاغتسال والسباحة، وهنّ يترنمن بالماء:
وا أماه.. شلتني الحيرة
وا أماه.. با أطحن لش كيلة
أما الأولاد فيستبشرون بهطول المطر بأغانيهم الشجية:
وا مطيروه.. حطي لبن لبن
وا مطيروه.. عمي دخل عدن…
وهناك أيضاً الأغنية الشهيرة: “يا خشبة نودي نودي”.
وقبل العيد بيوم واحد، يجتمع الصغار (بنين وبنات) للاستبشار بقدوم العيد وهم يترنمون:
أندونا أندونا.. لانتوا تبونا
ويا حبة الكشري.. الله الله لا تنجحي قبلي
وفي ألعاب “الدناديح” (الأراجيح)، يتغنى الصغار:
سيري ميري يا عسيري
ويا العيدروس يا بو سالم
يا العيدروس جيب الفلوس
رابعاً: ألعاب الأطفال الشعبية
تتعدد ألعاب الأطفال في التراث اللحجي، ومنها لعبة يمسك فيها الأولاد بأيدي بعضهم بعضاً ويرددون:
يا علي يا بن طالب.. طول الله حبالك
والقمر والثريا.. يلعبوا تحت دارك
جيت ألعَبْ معاهم.. كرّدوني عيالك
جيت أدور مَن ثَمّ.. نتشوني كلابك
ومن الألعاب المشهورة لعبة “يا أصحاب المعصرة”، وهي لعبة حركية وذهنية تُقام بين فريقين وحَكَم ومستشار؛ حيث يتفق الحكم والمستشار على اسم نوع محدد من الأسماك دون علم الفريقين، ثم ينادي الحكم:
الحكم: يا أصحاب المعصرة.. يا أصحاب المعصرة!
الفريقان: لبيك.. عشرة بعشرة، حمار أبُوك المكسّرة!
الحكم: إذا رميت شبكتي في البحر، إيش با أطّلع؟
الفريقان: من زغارها ولا من كبارها؟
فإذا حدد الحكم الحجم (مثلاً: سمك كبير)، ويبدأ الفريقان بالتخمين؛ فإن أخطأ الفريق الأول، يتاح الدور للفريق الثاني، وعند معرفة الاسم الصحيح ينادي الحكم للفائزين: “شدّوا الرُكب!”، فيركب أعضاء الفريق الفائز على ظهور أعضاء الفريق المهزوم ليحملوهم إلى مقربة من الحكم كعقاب ممتع، وتتكرر اللعبة.
وهناك ألعاب شعبية كثيرة أخرى، نذكر منها:
عبيد منضاح
من كبته طيّارة
حوك شوك
بيذان بيذان حالي سويدان
من لقي صاحبه حنجل له
لعبة مشوطح (خاصة للبنات)
خامساً: الأمثال الشعبية اللحجية
تناقل اللحوج منذ القدم أمثالاً شعبية ذات أبعاد وحكم مكثفة وأهداف تربوية واجتماعية، ومنها:
ذي ما يجازي يعادي.
كم با يجري الدرين في عابرين!
لا تلعب على الحبلين.
لا تقل للجمل “هَرّي” وعينه أكبر من عينك.
كم باتوكلي يا دودة وأيامش معدودة.
وجه ما شافك ما لامك.
منفذ يجي ريح منه قفّله.
احلق له الرأس لا يطلع قرون.
من أكل بيدين لابد يختنق.
لأنه عشقني وتم، ولا كفاني بلاه.
جمل يعصر وجمل يأكل العصار.
جاء يكحلها عماها.
من وكن على خصار جاره يبس.
يا موزع المرق، أهل بيتك أحق.
القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود.
اللي با يبوسك يعرف طريق خدك.
العين بصيرة واليد قصيرة.
محجبة مني وصوتك فجر أذني!
لو صاحبك عسل خلي منه وسَل.
عاصر حيد ولا تعاصر وليد.
لا كبر ابنك خاويه.
سادساً: اللهجة اللحجية الشعبية
تتميز اللهجة اللحجية بغناها ب المفردات الأصيلة والتعبيرات البلاغية الخاصة، ومن ألفاظها ودلالاتها:
شُع / شُعَه / شُعُوه / شُعْهُم: انظر / انظره / انظروه / انظرهم.
شُعْوِينَه / شُعْوِينَهُم: انظروه هناك / انظروهم هناك.
أَدَد: إحساس بالألم.
أَدَه: تعال.
أَوْبَه: قِفْ أو احذر.
إِبَا: تعبير عن الاستغراب.
هَكِه: هكذا.
فِيسَع: بسرعة.
وَرَاك مالَك: ماذا بك؟
وَيْن بَتَِهْب / وَيْن تَبَا: إلى أين أنت ذاهب؟
الطَبْطُوب: وعاء شرب الماء.
تِرْجِم بِلُه: ارمِ به.
وِيْوَه / لِيش: لماذا؟
يُوفِين: هل هذا قرارك الأخير؟
تِشْحِرْنِي: تنظر إليّ بغضب.
بَا أَنْذِق: سأرمي.
يَخُور: يتمنى أو يشتهي.
كِيْه هَيَّا: هيا بنا / أرني.
مِضْيَاح: تعبير يقال بعد السقوط أو الوقوع.
غَبَش: التبكير في الصباح الباكر.
بَا أَرِيد: أريد.
الثِبَان: المنطقة تحت البطن.
بَا أجي: سأحضر.
مَقْرَمَة: منديل شفاف يغطي الرأس.
يَدْهَس: يسير في الظلام.
مَطْحَاسَة: عائق أو مقلب.
الحَرِيْو: العريس.
تِتْكَلْفَس: تتجهز وتستعد.
بَا أَذْلَح: سأسكب.
سُعْبُوب: سيلان اللعاب.
بَا أَتَلْطَلَط: السير بعيداً عن الناس.
المَارُود: المريض.
شَخْبُوب: كمية بسيطة أو تدفق قليل (كالحلبة الأولى عند مسك ضرع الشاة).
المُذْنِف: المتهالك أو المشرف على الهلاك.
كِيْه عَر تِتْقَرَّب: احذر أن تقترب.
ارْشَنِي: أصلقني / القني.
مَهَفْهَف: رقيق الإحساس.
القَرْقَف: الماء البارد جداً.
دُفْ أبَد وُوِدْر النَفْس وِدَار: أفديك بنفسي.
طَرَّشْنِي: غلبني أو أرهقني.
دَوْب: دائماً.
الفَاقِيَة: شجرة الحنون.
صِيَانِي: فناجين.
خَبْخُوب: هواء أو ريح باردة.
رَعْبُوب: رشيق وجميل.
مَجْمَش: مغطى.
مِش طَيْف: غير قادر.
تَحَاوَانِي: أدركني وأنقذني.
وِدْرَه / سِجْرَه: داهية / خدعة.
دَنَف: اشتد عليه المرض.
الهَرْكَلِي: حسن الجسم والخُلق.
دَوْمَانَه: عقله ورزاحته.
وايكِيل: متوفر ورخيص.
بَا أَوْب: سأحذر وأتراجع عما فعلته.
سابعاً: الحرف اليدوية الشعبية
ورث الأبناء في لحج الحرف اليدوية عن الآباء والأجداد عبر أجيال متقاطعة، وقد أثبتت الاكتشافات الأثرية قيام حضارات متعاقبة في هذه المحافظة. وتنوعت الحرف بين صناعات الطين، والنسيج، والعزف (القشيات)، وصناعة الحلويات:
أعمال الطين: صناعة اللبن، والياجور، والنوافي، والمراكيب، والمجمرة، والمربخ، بالإضافة إلى أواني المطبخ وأوعية حفظ وشرب الماء كالزير، والكدّ، والجحلة، والكوز، وأوعية الإضاءة.
أعمال العَزْف (القَشِيّات): صناعة المكانس، والسِلَق، والمسرفة، والتفال، والمراوح اليدوية لتلطيف الجو، بالإضافة إلى المقاعد، والسرر، وسجاجيد الصلاة، والمشاجب، والزنابيل، والمرابش، والجعاب، والحبال.
أعمال النسيج والملابس: برع اللحوج في صناعة “الكوافي” (أغطية الرأس بمختلف أنواعها)، وصناعة “المعاوز السعيدونية” الشهيرة، وملابس الأطفال التقليدية.
صناعة الحلويات والكعك: اشتهرت لحج بصناعة المشبك، والقرمش، والمضروب، واللدو، والمكركر.
ثامناً: العمران وبناء المساكن في لحج
لعبت الظروف المناخية ومواسم الرياح المتربة دوراً أساسياً في تشكيل النمط المعماري للمباني السكنية بلحج، بما يتلاءم مع البيئة الزراعية. فهناك مواسم للرياح الملقحة للأشجار المثمرة، ورياح “الكاوي” الحارة، والرياح الباردة التي تسبق الأمطار وتؤثر أحياناً على الأشجار. ونظراً لأن غالبية السكان يعملون في الزراعة، فقد فرضت الطبيعة تقنيات بناء مقاومة للتقلبات المناخية:
المهندات (في القرى المجاورة للوادي):
تُبنى بمواصفات خاصة؛ حيث تكون مفصلة من الداخل ومحاطة بسور خارجي (حوش) له باب كبير، يُخصص لتربية الحيوانات الزراعية والدواجن، وتوضع فيه “النوافي” و”المراكيب” لطبخ الطعام، وفي جانب الحوش يُبنى الحمام و”السحيحة” لتصريف المياه.
المربعة والمباني الطينية (في حوطة لحج):
تُبنى “المربعة” من اللبن، وتُسقف بأخشاب النخيل، أو شجر الزيتون (الجوافة)، أو خشب البونة الصلب المقاوم لدودة الأرضة. ويوضع بين الخشب والآخر “الخسف” (سيقان العشر)، ثم يُمرج السقف بالطين المخلوط بـ “الهدي” وأوراق الأثل، ويُغطى بطبقة طينية ممزوجة بالضفع (روث البقر) والكرّ (روث الحمير)؛ مما يجعل السقف محصناً ضد تسرب مياه الأمطار والرياح وأشعة الشمس.
خصائص الطين والعمارة الإسلامية:
يعمل الطين كعازل حراري طبيعي يخفف من شدة الحرارة. وتتجلى العمارة الطينية المستنبطة من الطراز الإسلامي في بناء المساجد، والأضرحة، والأربطة الدينية لأولياء الله الصالحين.
أنماط البيوت والخلاوي:
البيوت ذات الدور الواحد: تتكون من المربعة، والدكة، والسهوة، والحمامات، وحوش الماشية.
البيوت ذات الدورين (الخلاوي): يمتلكها كبار التجار والمزارعين.
المميزات المعمارية: تتميز هذه المساكن بجدرانها العالية المرتفعة كوقاية من الرياح وحماية من التسلق، وسقوفها المرتفعة المسقوفة بخشب “البونة” الأحمر. وتُبنى “السوارق” في الجهة البحرية للسماح بدخول الهواء في أيام الحر، وتُفتح النوافذ في الجهة القبلية. وعلى أسطح المربعات تُوضع مسارب (مواسير) لتصريف مياه الأمطار.
كما يُلاحظ وضع قطعة حديدية على شكل رمز خاص في أحد أركان السقف لتعمل كـ مفرغة للصواعق لحماية المنزل. ولا تزال حارة “دار عبدالله” في الحوطة تتزين بهذه البنايات الطينية التاريخية، بينما تشهد “الخلاوي” على مكانة أصحابها من الشيوخ والعقال.
إعداد وتبويب:
الأستاذ / عبده سعيد كرد
عضو لجنة الثقافة والإعلام في مجلس المستشارين


