واجه أرخبيل سقطرى مقتصرة على الخدمات الصحية أو الأوضاع المعيشية، بل امتدت إلى قطاع التعليم، الذي يعد الركيزة الأساسية لبناء المجتمع وتحقيق التنمية المستدامة. ويؤكد أكاديميون وتربويون أن الجزيرة تشهد تراجعاً ملحوظاً في العديد من الملفات التعليمية، بعد سنوات كانت فيها سقطرى تستفيد من برامج ومبادرات تنموية ساهمت في تأهيل الشباب والمرأة وخلق فرص جديدة للتعليم والتدريب.
ويأتي في مقدمة هذه التحديات الوضع الذي تعيشه الجامعة الوحيدة في الأرخبيل، والتي تواجه مخاطر حقيقية تهدد استمرار العملية التعليمية نتيجة الأزمات المالية وعدم انتظام صرف مستحقات الموظفين والكادر الأكاديمي والإداري، الأمر الذي انعكس على استقرار الدراسة وأثار مخاوف آلاف الطلاب من تعثر مسيرتهم التعليمية.
ويرى مهتمون بالشأن التعليمي أن استمرار هذه الأزمة قد يؤدي إلى فقدان الجزيرة لمؤسستها الأكاديمية الوحيدة، ما سيدفع الكثير من الطلاب إلى البحث عن فرص تعليم خارج سقطرى، وهو خيار لا يتوفر للجميع في ظل الظروف الاقتصادية وصعوبة التنقل من وإلى الجزيرة.
وتبرز مشكلة النقل كواحدة من أكبر التحديات التي تواجه الطلاب السقطريين، إذ إن محدودية الرحلات الجوية وعدم انتظامها جعلت السفر إلى المحافظات الأخرى لاستكمال الدراسة الجامعية أمراً بالغ الصعوبة، فضلاً عن ارتفاع تكاليف السفر والإقامة، ما اضطر كثيراً من الأسر إلى تأجيل دراسة أبنائها أو التخلي عنها.
كما شهدت الجزيرة تراجعاً في برامج التأهيل والتدريب المهني التي كانت توفر فرصاً مهمة للشباب والنساء. فقد توقفت العديد من المعاهد والبرامج المهنية التي كانت تحظى بدعم إماراتي، والتي أسهمت خلال سنوات في تدريب مئات الشباب على مهن وحرف مختلفة، ووفرت للنساء برامج في مجالات الحاسوب والخياطة والأعمال الصغيرة والتنمية المجتمعية.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تراجعت أيضاً البعثات والفرق المتخصصة التي كانت تزور الجزيرة بصورة دورية لتنفيذ برامج تدريبية وتأهيلية في مجالات التعليم والصحة والتنمية وتمكين المرأة والشباب، وهي المبادرات التي ساعدت في رفع مستوى الوعي والمعرفة وخلق فرص عمل ومصادر دخل جديدة للأسر السقطرية.
ويرى مختصون أن خسارة هذه البرامج لا تعني فقط توقف مشاريع تعليمية مؤقتة، بل فقدان واحدة من أهم الأدوات التي كانت تسهم في مكافحة الأمية والبطالة وتحسين قدرات المجتمع المحلي، خصوصاً في جزيرة تتميز بخصوصيتها الجغرافية وبعدها عن المراكز التعليمية الكبرى.
وتشير تقارير دولية إلى أن الاستثمار في التعليم والتدريب يعد من أهم متطلبات تحقيق التنمية المستدامة في المجتمعات المعزولة، وهو ما يجعل سقطرى بحاجة إلى سياسات تعليمية أكثر استقراراً تضمن استمرار المؤسسات الأكاديمية والمهنية وتوفير فرص التعليم للجميع.
ويؤكد مراقبون أن المسؤولية اليوم لا تقتصر على الحفاظ على المدارس والجامعة، بل تمتد إلى إعادة إحياء برامج التدريب والتأهيل، وضمان استقرار العملية التعليمية، وتسهيل حركة الطلاب، ودعم الكوادر الأكاديمية، حتى لا تخسر الجزيرة أهم مواردها الحقيقية، وهو الإنسان السقطري.
لقد كانت سقطرى تمتلك فرصة استثنائية لبناء جيل مؤهل قادر على قيادة التنمية واستثمار الموارد الطبيعية والسياحية التي تتمتع بها الجزيرة، إلا أن تراجع الاهتمام بقطاع التعليم يهدد بتحويل تلك الفرصة إلى تحدٍ جديد، ويفرض على الجهات المعنية التحرك العاجل لإنقاذ مستقبل آلاف الطلاب والشباب، باعتبار أن الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الأهم في مستقبل الجزيرة وتنميتها ومحاربة الأمية والبطالة.