هوس التصوير والنشر.. حين يتغلب الهاتف على الإنسانية
هوس التصوير والنشر.. حين يتغلب الهاتف على الإنسانية


عدنان سعيد
في السنوات الأخيرة، لم يعد التصوير مجرد وسيلة لتوثيق اللحظات والذكريات، بل تحول لدى كثير من الناس إلى هوس وسلوك يومي يمارس دون تفكير أو تقدير للعواقب. وأصبحت ظاهرة التصوير والنشر الفوري للأحداث والمواقف المختلفة تسيطر على شريحة واسعة من المجتمع، حتى في أكثر اللحظات حساسية وخطورة، متجاوزةً حدود الذوق العام والخصوصية، وأحيانا حدود الإنسانية نفسها.
فكم من حادث سير وقع أمام أعين المارة، وكانت هناك أرواح تستغيث ومصابون بحاجة إلى إسعاف عاجل، لكن بدلا من أن يتسابق الحاضرون لتقديم المساعدة أو الاتصال بجهات الإنقاذ، تجد كثيرا منهم يسارعون إلى إخراج هواتفهم المحمولة والتقاط الصور ومقاطع الفيديو، ثم نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي بحثا عن المشاهدات والتفاعل.
تخيلوا حجم المأساة عندما تنتشر صورة أحد المصابين خلال ثوان معدودة، بينما تبدو حالته وكأنه بين الحياة والموت، فتصل الصورة إلى أسرته وأقاربه قبل وصول أي معلومة رسمية عن وضعه الصحي. عندها تعيش الأسرة لحظات من الرعب والقلق والانهيار النفسي، وربما تحدث مضاعفات صحية أو نفسية لأحد أفرادها، قبل أن يتضح لاحقا أن المصاب بخير أو أن حالته مستقرة. فهل يدرك من التقط الصورة ونشرها حجم الضرر الذي تسبب فيه؟
ولم تعد هذه الظاهرة مقتصرة على الحوادث المرورية فقط، بل امتدت إلى المشاجرات والخلافات والمواقف الإنسانية المؤلمة، حيث يتحول البعض إلى “مراسلين” يوثقون الحدث بدلا من أن يكونوا جزءا من الحل أو عاملا في احتواء الأزمة.
أما الجانب الأكثر حساسية، والذي طالما نبهت إليه زملائي العاملين في المجال الإعلامي، فيتعلق بالتصوير العشوائي أثناء اللقاءات والاحتفالات والمناسبات العامة. فقد تحتوي الصورة على أشخاص لم يمنحوا إذنا بالتصوير أو النشر، وربما تظهر امرأة أو رجل في لقطة عفوية أو زاوية غير مناسبة، فتنتشر الصورة على نطاق واسع مسببة إحراجا أو مشكلات اجتماعية وأسرية لصاحبها دون أي ذنب ارتكبه.
إن احترام خصوصية الآخرين ليس خيارا أخلاقيا فحسب، بل هو مسؤولية مجتمعية وقانونية يجب أن يدركها الجميع. فليس كل ما يمكن تصويره يجوز نشره، وليس كل حدث يستحق أن يتحول إلى مادة للتداول والتعليقات.
ومن هنا، فإن الجهات المختصة مدعوة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه من يستغلون المواقف الإنسانية الصعبة للتصوير والنشر، خاصة عندما يكون بإمكانهم تقديم المساعدة المباشرة للمتضررين. كيف يسمح إنسان لنفسه أن يقف مصورا أمام شخص يغرق في مسبح أو يصارع الأمواج على شاطئ البحر وهو قادر على إنقاذه؟ وكيف يمكن لشخص أن يوثق حريقا يلتهم منزلا أو مركبة بينما يستطيع المساهمة في إخماده أو مساعدة المصابين؟
لقد أصبح من الضروري تعزيز الوعي المجتمعي بأن قيمة الإنسان وحياته وكرامته أهم بكثير من صورة أو مقطع فيديو أو عدد من الإعجابات والمشاركات . فالتكنولوجيا وجدت لخدمة الإنسان، لا لتحويل معاناته إلى محتوى يُتداول على الشاشات.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل توجد تشريعات قانونية كافية تجرّم نشر صور الأشخاص دون إذنهم أو في ظروف تنتهك خصوصيتهم وكرامتهم؟ وإن لم تكن هناك نصوص رادعة وواضحة، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى سن قوانين وإجراءات عقابية تضع حدا لهذه الممارسات، وتحمي الأفراد من الانتهاكات التي قد تترك آثارا نفسية واجتماعية لا تقل خطورة عن الحادثة نفسها.
فالإنسانية يجب أن تسبق الكاميرا، والمساعدة يجب أن تسبق النشر، واحترام خصوصية الآخرين يجب أن يظل قيمة لا يمكن التفريط بها مهما تطورت وسائل التواصل والتقنيات الحديثة.



