حمدي شكري الصبيحي.. من ميادين الحسم إلى هندسة الاستقرار

لحج الغد /مقال بقلم جلال السويسي
في اللحظات الفاصلة من تاريخ الأوطان لا تُقاس قيمة القادة برتبهم العسكرية فحسب بل بقدرتهم على تحويل الفوضى إلى نظام والتضحيات إلى مشروع وطني قابل للاستمرار وفي هذا السياق يبرز اللواء حمدي شكري الصبيحي قائد المنطقة العسكرية الرابعة بوصفه أحد الوجوه التي تشكّلت في قلب المعركة ونضجت على إيقاع التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد منذ العام 2015.
لم يكن حضور الصبيحي في تلك المرحلة مجرد مشاركة في جبهة بل كان انخراطاً كاملاً في معركة مصيرية أعادت رسم ملامح المشهد العسكري والسياسي. ففي وقتٍ كانت فيه موازين القوة مضطربة والقرار موزعاً بين أكثر من اتجاه برزت الحاجة إلى قيادات ميدانية تمتلك وضوح الهدف وصلابة الموقف .. ومن خطوط النار الأولى بدأ اسم الصبيحي يتقدم كأحد القادة الذين لم يكتفوا بإدارة المعركة بل ساهموا في إعادة تعريفها.
لقد شكّلت حرب 2015 نقطة التحول الأبرز في مسيرته حيث كان في مقدمة الصفوف في مواجهة المليشيات الحوثية مؤمناً بأن المعركة ليست مجرد صراع عسكري بل دفاع عن هوية ومسار تلك التجربة الميدانية لم تصنع قائداً مقاتلاً فحسب بل أفرزت شخصية قيادية تدرك تعقيدات الصراع وتوازن بين ضرورات الحسم ومتطلبات الاستقرار .
ومع انتقاله إلى قيادة اللواء الثاني عمالقة برزت مرحلة جديدة في مسيرته اتسمت بالانتقال من إدارة المواجهة إلى بناء القوة هناك لم يكن التحدي في خوض المعارك فقط بل في إعادة تشكيل وحدة عسكرية قادرة على الاستمرار والانضباط وتحقيق نتائج نوعية على الأرض ..
وقد انعكس ذلك في رفع الجاهزية القتالية وتعزيز روح الانضباط وتثبيت معادلة ميدانية أكثر تماسكاً خصوصاً في مناطق الصبيحة والجنوب عموماً.
اليوم ومع توليه قيادة المنطقة العسكرية الرابعة يدخل الصبيحي مرحلة أكثر تعقيداً تتجاوز حدود الميدان إلى فضاء أوسع من المسؤوليات . فالمنطقة العسكرية الرابعة ليست مجرد نطاق جغرافي بل تمثل ثقلاً استراتيجياً وأمنياً تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية مع التحديات السياسية وتفرض واقعاً يتطلب قيادة تجمع بين الخبرة القتالية والرؤية المؤسسية .
إن التحدي الحقيقي أمام أي قائد في هذه المرحلة لا يكمن في إدارة القوات فحسب بل في القدرة على تثبيت الأمن وتعزيز الاستقرار وبناء نموذج عسكري منضبط يكون جزءاً من مشروع الدولة لا عبئاً عليها وهنا تتجلى أهمية الخبرة التراكمية التي يحملها الصبيحي والتي تمتد من ميادين القتال إلى دوائر القرار الميداني .
سياسياً.. يأتي هذا التعيين في سياق مرحلة تبحث فيها القوى الوطنية عن توازن دقيق بين ضرورات الأمن ومتطلبات بناء مؤسسات فاعلة وهو ما يجعل من قيادة المنطقة العسكرية الرابعة اختباراً حقيقياً لقدرة القائد على إدارة التعقيد والتعامل مع التحديات المتشابكة دون الانزلاق إلى حلول آنية تفتقر إلى الاستدامة.
في المحصلة لا يمكن قراءة تجربة اللواء حمدي شكري الصبيحي بمعزل عن السياق العام الذي تمر به البلاد ولا عن الحاجة إلى قيادات تمتلك القدرة على الانتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة ..
فالمعركة في صورتها الجديدة لم تعد فقط معركة سلاح بل معركة وعي وإدارة وبناء.
وبين ماضٍ صاغته ميادين المواجهة وحاضرٍ تفرضه تحديات الاستقرار .. يقف الصبيحي أمام مسؤولية تاريخية : أن يكون قائداً لمرحلة لا مجرد مدير لموقع .
وهي مهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة حين تتوفر الإرادة وتُحسن قراءة اللحظة وتُدار القوة بعقل الدولة لا بردة فعل الميدان .
كتبه جلال السويسي
5 مايو 2026



