الجنوب بين عدالة القضية وثبات الإرادة ..

الجنوب بين عدالة القضية وثبات الإرادة
لحج الغد- تقرير/ محمد الزبيري
من عمق التاريخ السياسي للمنطقة، ومن قلب معاناة طويلة لم تنجح كل محاولات الطمس في إنهائها، تبرز قضية شعب الجنوب العربي اليوم كإحدى أكثر القضايا وضوحًا وعدالة في المشهدين الإقليمي والدولي.
فهي ليست نتاج لحظة سياسية عابرة، ولا تعبيرًا عن رد فعل مؤقت، بل خلاصة مسار نضالي ممتد، تشكّل عبر عقود من الإقصاء والتهميش والاستباحة، وتكرّس بوصفه قضية شعب وهوية ودولة.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يواصل أبناء الجنوب توجيه رسالة سياسية وأخلاقية واضحة إلى الرأي العام الإقليمي والدولي مفادها أن مطالبهم سلمية، ومرتكزة على حق تاريخي وقانوني لا يسقط بالتقادم، وأن هدفهم النهائي يتمثل في استعادة دولتهم كاملة السيادة، ضمن حدودها الجغرافية والسياسية المعترف بها دوليًا قبل 21 مايو 1990م.
إن ما يميّز القضية الجنوبية اليوم هو هذا الوعي المتقدم بطبيعة الصراع، والقدرة على تحويل التضحيات والمعاناة إلى خطاب سياسي متماسك، يخاطب الداخل بلغة الوحدة والثبات، ويخاطب الخارج بمنطق القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
ومن هذا المنطلق، يقدّم الجنوب نفسه كفاعل سياسي مسؤول، يسعى إلى استعادة دولته لا عبر الفوضى أو العنف، بل عبر إرادة شعبية منظمة ومشروع وطني جامع.
*القضية الجنوبية: قضية شعب وهوية وحق تاريخي*
ترتكز القضية الجنوبية في جوهرها على حقيقة ثابتة لا تقبل الجدل، وهي أنها قضية شعب كامل تعرّض لفقدان دولته وهويته السياسية بفعل ترتيبات قسرية أُفرغت من أي مضمون شراكة حقيقية.
فالدولة الجنوبية، التي كانت قائمة ومعترفًا بها دوليًا، لم تُلغَ بإرادة شعبها، بل جرى ابتلاعها ضمن وحدة لم تحترم أسس الندية ولا مبدأ التوافق، وتحولت لاحقًا إلى أداة للهيمنة والإقصاء بعد الانقلاب على اتفاقية الوحدة واحتلال الجنوب بالقوة.
ومن هنا، يحرص الخطاب الجنوبي على التأكيد بأن قضيته ليست خلافًا إداريًا أو نزاعًا على سلطة، بل مسألة حق تاريخي وهوية وطنية.
فالحقوق الوطنية، وفقًا للأعراف الدولية، لا تسقط بالتقادم، ولا تُمحى بمرور الزمن أو بفرض الأمر الواقع وقد أثبتت التجربة أن كل محاولات إعادة تعريف الجنوب خارج سياقه التاريخي والسياسي باءت بالفشل، لأن الهوية الجنوبية ظلت حاضرة في الوعي الجمعي، ومتجذرة في الذاكرة الوطنية.
*التضحيات الجنوبية: من المعاناة إلى الالتزام الوطني*
شكّلت تضحيات شهداء الجنوب وجرحاه الركيزة الأخلاقية الأولى للنضال الجنوبي، وعاملًا حاسمًا في صلابة الموقف الشعبي.
فهذه التضحيات لم تكن حدثًا طارئًا، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من المقاومة السياسية والشعبية، التي واجهت القمع والإقصاء والحرمان من أبسط الحقوق.
إن دماء الشهداء في الوعي الجنوبي ليست مجرد رمز، بل عهد وميثاق وطني يفرض على الأجيال اللاحقة التمسك بالأهداف التي استشهدوا من أجلها.
ولذلك، فإن الوفاء الحقيقي لتلك التضحيات لا يتحقق بالشعارات، بل بالثبات على خيار استعادة الدولة، ورفض أي حلول تنتقص من جوهر القضية. وقد أسهم هذا البعد الأخلاقي في تحصين القضية الجنوبية من محاولات الاحتواء أو التفريغ السياسي.
*وحدة الصف الجنوبي: ركيزة القوة السياسية*
أدرك أبناء الجنوب العربي، من خلال تجاربهم النضالية، أن وحدة الصف ليست خيارًا تكتيكيًا، بل شرطًا وجوديًا لنجاح مشروع الاستعادة. فالقضايا الكبرى لا تنتصر إلا بتماسك حامليها، وقد أثبت الجنوب في السنوات الأخيرة قدرته على تجاوز الخلافات الثانوية، وتوحيد الإرادة حول هدف وطني جامع.
إن وحدة الموقف الجنوبي اليوم تمثل مصدر قوة وحصانة سياسية، سواء في مواجهة التحديات الداخلية أو في التعاطي مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
وهي وحدة لا تقوم على الإقصاء، بل على الشراكة الوطنية، وعلى إدراك جماعي بأن المشروع الجنوبي يتسع لكل أبنائه، ما دام الهدف واحدًا والثوابت واضحة.
*القيادة الجنوبية والتفويض الشعبي*
يحظى الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي بمكانة محورية في مسار القضية الجنوبية، بوصفه قائدًا سياسيًا يستند إلى تفويض شعبي واسع، عبّرت عنه الجماهير في مختلف المحطات.
هذا التفويض لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة لدور قيادي برز في أحلك الظروف، وقدرة على تمثيل تطلعات الشارع الجنوبي والدفاع عنها بثبات.
وقد أسهم هذا التفويض في ترسيخ شرعية القيادة الجنوبية، ليس فقط على المستوى الداخلي، بل أيضًا في التعامل مع الأطراف الإقليمية والدولية، باعتبارها قيادة تعبّر عن إرادة شعبية حقيقية، لا عن مصالح ضيقة أو أجندات عابرة.
رغم التآمر الإقليمي وغدر الأشقاء بقي الشعب الجنوبي وفياً للرئيس الزبيدي وخرج بالملايين معلناً تجديد التفويض للرئيس الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره الممثل الشرعي لشعب الجنوب.
*استعادة الدولة: هدف سياسي مشروع بموجب القانون الدولي*
يؤكد الجنوب، في كل خطاباته ومواقفه، أن استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة تمثل الهدف النهائي للنضال الوطني. وهو هدف مشروع وفق القانون الدولي، ويستند إلى مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وإلى واقع تاريخي يتمثل في وجود دولة جنوبية سابقة بحدود معترف بها دوليًا.
إن وضوح هذا الهدف يمنح القضية الجنوبية قوة إضافية، لأنه يضع حدًا لأي تأويلات أو محاولات تمييع. فالجنوب لا يطالب بحلول انتقالية دائمة، ولا بامتيازات مؤقتة، بل بحق واضح يتمثل في استعادة دولته، بوصفها الإطار الوحيد القادر على ضمان الأمن والاستقرار والعدالة لشعبه.
*الاصطفاف الوطني الشامل: مشروع شعب لا نخبة*
يمثل الاصطفاف الواسع لمختلف المكونات والفئات الاجتماعية الجنوبية خلف المشروع الوطني دليلًا على نضج التجربة السياسية الجنوبية. فالقضية لم تعد حكرًا على فصيل أو مكون، بل تحولت إلى مشروع شعب، تشارك فيه القوى السياسية، والشباب، والمرأة، والمجتمع المدني، والقبائل.
هذا التلاحم الوطني يعزز من مصداقية الخطاب الجنوبي، ويبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن الجنوب يمتلك قاعدة شعبية موحدة خلف قيادته، وأن قراره الوطني نابع من إرادة حرة، لا من إملاءات خارجية.
يواصل الجنوب مساره النضالي بالتأكيد على أن الثبات على عهد الشهداء ليس شعارًا موسميًا، بل التزام وطني وأخلاقي لا يقبل التراجع. فعندما تتوحد الإرادة الشعبية، وتترسخ القيادة الشرعية، يصبح التفريط بالثوابت أمرًا مستحيلًا.
إن دماء الشهداء والآلام التي يحملها الجرحى في أجسادهم تشكّل الضمانة الأخلاقية الأهم لاستمرار النضال الجنوبي في مساره الصحيح، بعيدًا عن المساومات أو الحلول المنقوصة.
وهكذا يقف الجنوب اليوم صفًا واحدًا، خلف قيادته ممثلة بالرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، متمسكًا بحقه التاريخي، ومؤكدًا أن هدفه الواضح سيظل استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة، وفاءً للتضحيات، واستجابة لإرادة شعب اختار طريقه بوعي وثبات.
*البعد الإقليمي للقضية الجنوبية: قراءة في التوازنات والتحولات*
تتأثر القضية الجنوبية بشكل مباشر بالتوازنات الإقليمية السائدة في المنطقة، حيث شكّلت التحولات السياسية والأمنية في الإقليم عاملًا مؤثرًا في مسار الصراع. وقد تعامل الجنوب، عبر قيادته السياسية، بقدر عالٍ من الواقعية السياسية، مدركًا أن تحقيق الأهداف الوطنية يتطلب فهمًا عميقًا لطبيعة المصالح الإقليمية، دون التفريط بالثوابت الوطنية.
إن الخطاب الجنوبي الموجّه للإقليم يقوم على التأكيد بأن استعادة دولة الجنوب لا تمثل تهديدًا للأمن الإقليمي، بل على العكس، تشكّل عامل استقرار في منطقة استراتيجية طالما عانت من الفوضى والصراعات. ومن هذا المنطلق، يقدّم الجنوب نفسه كشريك محتمل في حفظ الأمن والاستقرار، لا كمصدر قلق أو توتر.
يستند الجنوب في طرح قضيته إلى مبادئ راسخة في القانون الدولي، وفي مقدمتها حق الشعوب في تقرير مصيرها.
فهذا الحق، الذي أقرته مواثيق الأمم المتحدة، يمنح الشعوب التي فقدت دولها أو تعرّضت للإلحاق القسري شرعية السعي لاستعادة كيانها السياسي.
إن وجود دولة جنوبية سابقة، معترف بها دوليًا، يعزّز من قوة الموقف القانوني الجنوبي، ويفنّد الادعاءات التي تحاول تصوير القضية كخلاف داخلي. فالجنوب لا يطالب بكيان جديد، بل باستعادة دولة قائمة جرى إلغاؤها دون استفتاء شعبي أو توافق وطني.
*الخطاب الجنوبي والمجتمع الدولي: من الاحتجاج إلى الإقناع*
شهد الخطاب الجنوبي تطورًا ملحوظًا في تعاطيه مع المجتمع الدولي، حيث انتقل من مرحلة الاحتجاج ولفت الانتباه، إلى مرحلة الإقناع وبناء الحجج السياسية والقانونية. وقد أسهم هذا التحول في تعزيز حضور القضية الجنوبية في النقاشات الإقليمية والدولية، بوصفها قضية ذات أبعاد قانونية وإنسانية واضحة.
ويركّز هذا الخطاب على سلمية المطالب الجنوبية، وعلى أن خيار استعادة الدولة يأتي كحل عادل ومستدام، يضع حدًا لدورات العنف، ويؤسس لاستقرار طويل الأمد.
يؤكد الجنوبيون باستمرار أن قرارهم الوطني نابع من إرادة شعبية حرة، تجسّدت في الميادين والساحات، وفي التفويض الواسع لقيادتهم السياسية. هذه الإرادة تمثل المرجعية العليا لأي مسار سياسي، وتشكل خط الدفاع الأول في مواجهة أي محاولات لفرض حلول لا تعبّر عن تطلعات الشعب.
إن هذا الالتفاف الشعبي حول القيادة الجنوبية يبعث برسالة سياسية واضحة مفادها أن الجنوب يمتلك قرارًا مستقلًا، وأن أي عملية سياسية لا تنطلق من احترام هذه الإرادة محكوم عليها بالفشل.
*الجنوب بين الحاضر والمستقبل*
تقف القضية الجنوبية اليوم عند مفترق تاريخي بالغ الأهمية، حيث تتلاقى تضحيات الماضي مع استحقاقات الحاضر وتطلعات المستقبل. وفي هذا السياق، يبدو خيار استعادة الدولة ليس فقط تعبيرًا عن حق تاريخي، بل ضرورة سياسية وأمنية لضمان الاستقرار والتنمية.
ومع استمرار وحدة الصف، وتماسك القيادة، وتنامي الوعي الشعبي، يمضي الجنوب بثبات نحو هدفه النهائي، مستندًا إلى عدالة قضيته، ومحصنًا بتضحيات أبنائه، ومؤمنًا بأن إرادة الشعوب، مهما طال الزمن، لا تُهزم.



