أقنعة المحفد الساقطة حين تشير بوصلة “الجهاد” إلى الجنوب وتغفل عن الروافض في الشمال!
د.علي حسن الخريشي

د. علي حسن الخريشي.
من جديد، يطل شبح الإرهاب الأسود برأسه، مبعثراً سكون “المحفد” الأبيّة. لم يكن الخبر مجرد بيان عابر، بل كان فاجعة رُسمت بالدم البارد والغدر المتأصل. تنظيم القاعدة، بتوقيعه القديم الملطخ بالدماء، يعلن بتبجح مسؤوليته عن تفجيرين انتحاريين استهدفا مبنى السلطة المحلية وجنود اللواء الأول دعم وإسناد. دماء زكية تُسفك على رمال الجنوب الطاهرة، في مشهد عبثي يرفض العقل تصديقه وتأبى الفطرة السليمة قبوله.
لكن، ما إن انقشع غبار الفاجعة، حتى تكشّفت المفارقة الأكثر إيلاماً ومرارة. الصدمة لم تكن في وحشية التفجير فحسب، بل في هوية منفذيه. هؤلاء “طالبو الجنة” المزعومون، الذين ضغطوا زناد الموت في المحفد، لم يأتوا من فراغ أو من كهوف النسيان، بل جاؤوا من قلب محافظات الشمال: اثنان من صنعاء الجريحة، وآخر من الحديدة المكلومة، ورابعهم من إب الأسيرة.
وهنا، يقف المرء مذهولاً أمام هذا التيه العظيم، وتُطرح الأسئلة الملغومة التي تخجل منها الحقيقة:
يا هؤلاء الباحثين عن “رضوان الله” في أشلاء إخوتكم، من اهل السنة في الجنوب ،ألم تكن بوصلتكم مشوهة إلى هذا الحد؟
لماذا تُطلب “الجنة” باستهداف جنودٍ يذودون عن وطنهم في أبين، بينما تُترك “النار” الحقيقية تستعر في دياركم؟ كيف يستقيم أن تتقربوا إلى الله بقتل المسلم في الجنوب، وتغضوا الطرف عن “الروافض” – كما تسمونهم – وهم في عقر دياركم بصنعاء وإب والحديدة، يدنسون (بحسب خطابكم) بيوت الله، ويفجرون المنازل، ويسومون أهلكم سوء العذاب؟
ألم يكن الأجدر بـ “جهادكم” المزعوم هذا أن يتجه نحو من احتل منازلكم وانتهك حرماتكم؟ أم أن دم الجندي الجنوبي أصبح هو الطريق الأقصر إلى جنانكم الموهومة؟
الرسالة، يا سادة، أوضح من شمس الظهيرة، ولم يعد يغطيها غربال الخداع. لقد سقط القناع الديني الزائف عن وجهٍ سياسي قبيح. هذه ليست قصة “خلافة” أو “تطبيق شريعة” أو نصرة “دين”، بل هي مسرحية هزيلة لأجندات سياسية تُدار بخيوط خفية من وراء ستار، وتنفذها أطراف لا يهمها دين ولا وطن.
إنها جماعات سياسية بامتياز، توظف الدين كأداة رخيصة لتجييش العقول المغيبة. والأدهى من ذلك، هو “التخادم” المفضوح الذي يربط هذه الأطراف، والذي لم يعد سراً يخفى على القاصي والداني. إنها حلقة مفرغة من الضلال؛ فالحوثي، والقاعدة، وجماعة الإخوان، وإن اختلفت شعاراتهم وأقنعتهم، فهم جميعاً يخرجون من باب واحد هو “باب الضلال”، ويصبون في مستنقع واحد: مستنقع الفوضى الذي يهدف لتمزيق هذا الوطن.
فيا أيها الجنوبي المرابط على ثغرك، كن على بصيرة، فإن العدو يرتدي ألف قناع.
ويا أيها الشاب الذي لا يزال عقلُك هدفاً لخزعبلاتهم الآيديولوجية، انظر بعين الحقيقة: هؤلاء لا يقاتلون من أجل الله، بل يقاتلون من أجل “الأجندة”. إنهم يرسلون أبناء صنعاء وإب ليموتوا كوقود رخيص في المحفد، بينما يتركون المحتل الحقيقي يعبث في ديارهم آمناً. إنها لعبة الأمم القذرة، والضحية.. هي دماؤكم ومستقبلكم.


