أخبار الجنوب

المناطقية والقبلية سرطان ينهش جسد المجتمع

محمد سعد الحريزي

المناطقية والقبلية سرطان ينهش جسد المجتمعImg 20250923 Wa0218

كتب / محمد سعد الحريزي

تُعتبر المناطقية والقبلية من أخطر الأمراض الاجتماعية التي يمكن أن تفتك بأي مجتمع، فهي قنابل موقوتة تهدد وحدته وتماسكه، وتزرع بذور الفرقة والشقاق بين أبنائه. عندما تنتشر هذه العصبيات المقيتة، فإنها تحل محل الانتماء الوطني الجامع، وتصبح الولاءات الضيقة للقبيلة أو المنطقة هي الأساس الذي يحكم العلاقات والتفاعلات بين الناس، مما يحول النسيج الاجتماعي إلى ساحة للصراعات والتكتلات.
إن تفشي المناطقية في مجتمع ما يفرز الاحتقان، والكراهية، والتمزق. فهي تقتل روح المواطنة المتساوية، وتؤسس لبيئة من انعدام الثقة، حيث يُنظر إلى الآخر بعين الريبة لا بعين الأخوة. تتحول الاختلافات البسيطة إلى نزاعات كبرى، ويصبح أبناء الوطن الواحد غرباء وأعداء في أرضهم.
ردفان الثورة.. جرح غائر في خاصرة التاريخ
من المؤلم والمحزن أن نرى هذه الظواهر السلبية تتسلل إلى مناطق كانت قلاعًا للوحدة الوطنية والعمل الجماعي. ردفان الثورة والبطولة، تلك الأرض التي ارتوت بدماء أبنائها من أجل هدف أسمى يتجاوز كل الانتماءات الضيقة، والتي كانت بعيدة كل البعد عن المناطقية أو القبلية أو الطائفية، تعيش اليوم للأسف مظاهر دخيلة تملأ فضاءها بهذه المسميات المظلمة.
فما سمعناه مؤخرًا عن ظهور جماعات شبابية في ردفان تنتمي إلى مناطق معينة هو ناقوس خطر يدق في وجه الجميع. لم يعد الخلاف فرديًا، بل أصبح شرارة لإشعال فتيل أزمة جماعية. فعند وقوع أي إشكال، سرعان ما تتشكل التكتلات على أساس مناطقي بحت. وخير دليل على ذلك ما حدث مؤخرًا في قلب مدينة الحبيلين، بين شباب ينتمون لمنطقة “سليك” وآخرين من منطقة “الصمود” – وهما حيان متجاوران في ضواحي المدينة. شجار بسيط بين شابين تحول في لحظات إلى معركة جماعية استخدم فيها السلاح في وضح النهار وبين الأسواق المكتظة بالناس، في مشهد مرعب يعكس حجم الكارثة التي وصلنا إليها. هذا المشهد لم يكن مجرد شجار عابر، بل كان تعبيرًا صارخًا عن موت الوعي وسيادة العصبية العمياء.
هذا الخطر ليس محصورًا في ردفان وحدها، بل هو وباء بدأ ينتشر في مدن أخرى. فالعاصمة عدن، التي كانت بوتقة تنصهر فيها كل هويات اليمنيين، تشهد هي الأخرى حوادث مماثلة ومقلقة. ولعل ما حدث من عراك وشلل في حي الممدارة بين شباب من مناطق مختلفة، وما تبعه من اشتباكات في حي الشهيد عبدالقوي، والتي وصل فيها الأمر إلى إطلاق الرصاص الحي وسقوط جرحى، هو دليل قاطع على أن هذا الورم الخبيث يتمدد ويستشري في جسد مجتمعنا.
أمام هذه الظواهر الدخيلة والخطيرة، لا يمكن أن يظل الموقف متفرجًا. إن على الأجهزة الأمنية أن تدرك أن هذه ليست مجرد شجارات شبابية طائشة، بل هي جريمة كاملة الأركان بحق السلم الاجتماعي وأمن الوطن. يجب التعامل معها بكل حزم وقوة، وتطبيق القانون على كل من تسول له نفسه إثارة النعرات المناطقية واستخدام السلاح لترويع الآمنين. إن التهاون مع هذه المجموعات هو بمثابة ري بذرة الفتنة لتنمو وتتحول إلى شجرة خبيثة تقتلع جذور الدولة والمجتمع معًا. فلا بقاء لوطن يسمح فيه للعصبيات أن تعلو فوق صوت القانون وهيبة الدولة.
إن هذه الأرض لم تُبنَ على التفرقة، بل على التكاتف والتضحية. لقد دفع آباؤنا وأجدادنا أرواحهم من أجل وطن واحد وموحد، ومن العار أن نسمح لجهل البعض وعصبيته أن يهدم ما بنوه. يجب أن تكون رسالتنا واضحة للجميع: لا مكان بيننا لمثيري الفتن، ولا حصانة لمن يستقوي بمنطقته أو قبيلته على حساب أمن واستقرار إخوانه وجيرانه.
وفي الختام، لا بد من تكاتف الجميع، من الأسرة إلى المدرسة، ومن المسجد إلى وسائل الإعلام، ومن السلطة المحلية إلى المواطن العادي، لإعادة إحياء قيم الأخوة والمواطنة، ودفن هذه النعرات إلى الأبد. فالمستقبل لن يُبنى إلا بسواعد أبناء الوطن المتقاربين، لا بأيدي المتصارعين المشتتين. فلنحافظ على ما تبقى من روابطنا الاجتماعية قبل أن يأتي يوم نترحم فيه على وطن كان اسمه التكاتف والاخاء والسلام.