أخبار الجنوب

المناضل محمود سيف مقبل على درب الأبِ… يكتملُ وفاءُ الابن للارض والوطن

*المناضل محمود سيف مقبل على درب الأبِ… يكتملُ وفاءُ الابن للارض والوطن* .

لحج الغد – كتب / د. علي حسن الخريشي

حين تُكتبُ تواريخ الأوطان، لا تُسطّرها الأحداث الكبرى فحسب، بل تُنقشُها سِيَرُ رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله والوطن عليه. رجالٌ لم تكن القضيةُ في حياتهم مجردَ شعارٍ يُرفع، بل كانت الروحَ التي تسري في عروقهم والنبضَ الذي يُحرّكُ أفئدتهم. وفي طليعة هؤلاء الرجال، يقفُ المناضلُ الشامخ محمود سيف مقبل.
لقد حمل هذا الرجل قضية الجنوب على كتفيه منذ البدايات الأولى لانطلاق ثورتها السلمية؛ فكانت قضيته زاده وزواده. لم تترك ساحةُ نضالٍ إلا ولامستها قدماه، ولم يرتفعْ هتافُ حريةٍ في كل شبرٍ من أرض الجنوب إلا وكان صوته في مقدمة الصفوف، يزرع الأمل ويشحذ الهمم. وككل الأحرار الذين يرفضون الضيم، كانت السجون له محطات اختبارٍ لا محطات انكسار، فدخلها أكثر من مرة مع رفاق دربه، ليخرج منها في كل مرةٍ أصلبَ عوداً وأشدَّ إيماناً بقضيته.
ولم يكن نضاله مجرد حنجرةٍ تصدح بالحق، بل تحوّل إلى بندقيةٍ تذود عن الكرامة. فحين أطلق القائد مختار النوبي شرارة المقاومة الجنوبية في ردفان ودعا إلى حمل السلاح، كان محمود سيف رفيقه الأول الذي لبّى النداء. لم يتردد، بل امتشق سلاحه مع إخوانه المقاومين، مقدماً روحه فداءً للأرض الجنوبية . وفي خضم هذا النضال، ذاق مرارة الأسر مع رفيقه المناضل جمال مثنى أسعد، حيث فُتحت عليهما أبواب الجحيم في أقبية السجون التابعة لسلطات جيش الاحتلال اليمني ، وتجرّعا من كؤوس التعذيب ألواناً، فما لانت لهما قناةٌ ولا انحنى لهما جبين. فأجساد الأحرار قد تُقيَّد، لكن أرواحهم تظلُّ عصيةً على السجّان، محلقةً في سماء الكبرياء.
وكيف له أن لا يكون كذلك، وهو سليل ذاك الأسد الهصور، وفرعٌ أصيلٌ من جذعٍ أصلب؟ إنه ابن المناضل الفذ سيف مقبل الأخرم، ذلك الاسم الذي كان يقضُّ مضاجع الاستعمار البريطاني قبل وبعد انطلاقة ثورة 14 أكتوبر المجيدة 1963م. فكأنما النضال إرثٌ يجري في دمه، وشعلةٌ مقدسةٌ تسلّمها من يد أبيه ليُبقيها متقدة، ليثبت أن دماء الثوار لا تورّث إلا ثواراً، وأن من شبَّ على مقاومةِ مستعمرٍ، لن يرضى بغير الحرية وطناً.
وها هو اليوم، الفارس الذي صال وجال في ميادين النضال، يواصل العطاء من موقعٍ آخر، لكن بنفس الروح التي لا تكلّ. يقفُ المناضل والقائد محمود سيف مقبل إلى جوار رفيق دربه الأول، العميد مختار النوبي، قائد اللواء الخامس دعم وإسناد، مديراً لمكتبه بكل أمانة واقتدار. لم يعد مقاتلاً في الميدان فحسب، بل أصبح العقل المدبّر والساعد الأيمن الذي ينظم ويدير. ففي شخصه، اجتمعت حكمة المناضل وبصيرة القائد، فكان ركناً أساسياً في الجوانب الإدارية والتنظيمية والأمنية للواء.
يتمتع القائد محمود سيف بحسٍ أمنيٍّ فريد، كأنه بوصلةٌ لا تخطئ الاتجاه، honed by the fires of long experience. لديه قدرة فذة على قراءة ما بين السطور واستشعار المخاطر قبل وقوعها، وهي ملكةٌ صقلتها سنوات النضال الطويلة. إلى جانب ذلك، يمتلك مرونة وقدرة عجيبة على العمل في أصعب الظروف وتحت أشد الضغوط، فهو كالصخرة الراسخة في وجه العواصف، لا تزيده الأنواء إلا ثباتاً ورسوخاً. وبفضل علاقاته الاستثنائية مع مختلف الجهات الفاعلة، أصبح وجوده ضرورياً عند كل حدث، ومفتاحاً لكل مهمة عسيرة.
منذ أن تولى إدارة مكتب القائد مختار النوبي، لم يكن اللواء الخامس دعم وإسناد بالنسبة له مجرد مكان عمل، بل اعتبره بيته الثاني ودرع قضيته الحصين. إن حرصه الشديد على كل صغيرة وكبيرة في هذا الصرح العسكري، من عتاد وجنود، ليس مجرد أداء لواجب وظيفي، بل هو تجسيدٌ حيٌّ للوطنية العميقة التي تسكن روحه. فهو يؤمن إيماناً مطلقاً بأن الحفاظ على قوة الجيش الجنوبي ومقدراته هو الحفاظ على قلب الجنوب النابض، وحمايةٌ للمنجزات التي رُويت بدماء الشهداء، وسياجٌ منيعٌ لمستقبل الأجيال القادمة.
إن سيرة محمود سيف مقبل هي فصلٌ من فصول ملحمة الجنوب الكبرى؛ حكاية رجلٍ لم يبخل على وطنه بجهدٍ أو عرقٍ أو دم. هو نموذجٌ للمناضل الذي لم تغيره المناصب، ولم تضعف من عزيمته المحن، بل ظل على عهده الأول، وفياً للأرض، مخلصاً للقضية، وحارساً أميناً على حلم وطنٍ يستحق كل التضحيات. ..