أخبار الجنوب

تعلّموا منهم وعلِّموا أبناءَكم

لحج الغد
مقال أ/ عبدالحميد الأعجم
8/يناير /2023 مـ

في عصرنا اقتصر دور المدارس والجامعات على تقديم العلوم المعرفية بمعزل عن القيم والأخلاق والسلوك القويم ،لذا حري بنا أن نجد منابر أخرى لتعليم هذه القيم ،فالعلم لاقيمة له إن لم يعزز بهذه القيم ،وجيل الآباء والأجداد من الرعيل الأول هو خير من يُقتدى به ويُتّبَع ،فهم مدرسة كل القيم الإنسانية النبيلة التي تعلموها من مدرسة الحياة بفطرة سليمة تقوم على البساطة بعيدا عن كل الفلسفات السلوكية التي تعج بها أمهات الكتب في مختلف المدارس والجامعات.

علموا أبناءكم أن أجدادهم هم القدوة ،وحثوهم أن يقتربوا ممن بقي من ذلك الجيل العظيم ،فذلك جيل صهرته الحياة وعركته التجارب،جيل لم يتح له أن يتعلم في الجامعات لكنه اكتسب معارفه من أعظم مدرسة ألا وهي مدرسة الحياة.

إن جيل الآباء والأجداد من الرعيل الأول خير من عرف كُنه الدين على محدودية علمهم الديني والشرعي،يحفظون الفاتحة وبضع سور قصيرة يتمتمون بها في صلاتهم بطريقتهم لكن في قلوبهم إيمان صادق ،ويقين أرسخ من الجبال أنهم سيلقون خالقهم وسيجزيهم بأعمالهم ،فتجدهم يلهجون بذكر الله ويدعونه دوما 🙁 اللهم حسن خاتمتنا ).

إنهم جيل اعتاد أن يأكل من عمل يده ،ولم يمدوا أيديهم يوما إلى المسؤولين ولا إلى المنظمات الإنسانية ،فلديهم أيدٍ صلبة كالصخر تخمش من يلامسها- على حد تعبير الشاعر الفلسطيني محمود درويش- وهي كفيلة بأن تطعمهم وأُسرهم، ولم تمتد يوما إلى أحد ،فقد اعتادت أن تمسك بالمِعول وتضرب به تراب الأرض التي عشقوها بكل معاني العشق ،وكانت لهم وفية بقدر حبهم ووفائهم لها.
إنهم جيل عشق الأرض وكانت دولتهم التي يسوسونها بكل عبقرية وحكمة،يفرحون إن أتى طائر وأخذ حبةً من حقولهم ،أو شرب رشفة ماء من الأوعية التي كانوا يضعونها في بيوتهم وأرضهم ،لأنهم يعرفون أن الجنة قد تُنال بأيسر الأعمال ،وكذلك النار تُتّقى بأيسرها.

إنهم جيل لا يأكلون لقمةً إلا بمشاركة الناس ،ولا يبيتون بطانا وجيرانهم خماص ،لا يتنفسون إلا نسيم الصباحات في حقولهم ،يتخاصمون فيما بينهم وسرعان ما يتآلفون لأن ثمة عُرف يحتكمون له ،ورجال حكمة يرشدونهم بكلمة الفصل.
إنهم جيل تعلق بالسلاح وكان لزيمه طوال ليله ونهاره لكنهم عرفوا قيمة السلاح وخطره ،فتعاملوا معه بكل رزانة وحكمة ،وكان شعارهم :(لا يحمل السلاح إلا من كان أهلا له ) ،جيلٌ يوقن بالموت ويستعد له ،تجد أكفانهم في منازلهم ،وكأنهم يريدون أن يروا أكفانهم قبل أن تأتي لحظة تغمض فيها العيون وتمتنع عن النظر.

هذا هو الجيل الذي ينبغي أن نتعلم منه، ونعلم أبناءنا قيمه ومبادئه، ولا نزكيه عن الخطأ ،فالإنسان قرين الخطأ مذ وُجدت البشرية،لكنه في كل أحواله أفضل من جيلنا ،فقد تعامل مع الحياة بفطرته ،وما أشد حاجتنا اليوم لتلك الفطرة !.