تحديات مشاركة المرأة اليمنية في الحياة السياسية

لحج الغد _ د. أحلام القباطي.✍🏻
تعد المشاركة السياسية للمرأة من أهم العناصر لقياس مستوى ممارسة حقوق المواطنة، كما أنها معيارًا أساسي لإعادة توزيع علاقات التكامل في الأدوار بين الجنسين، وتحسين آليات الممارسة الديمقراطية في أي بلد.
أن تنامى الوعي العالمي بقضايا التمكين لأسيما تمكين المرأة و الذي صدقت عليه معظم الدول من خلال الإتفاقيات الخاصة لازال في حيز التنظير بينما الجانب التطبيقي مغيب حيث لا يوجد مؤشرات مشجعة عن تمثيل المرأة في المؤسسات المعنية بالجانب السياسي والقانوني وصنع القرار والذي لازال محدود أن لم ينعدم في بعضها, ويعود ذلك الى مجموعة من التحديات والمعوقات السياسية والقانونية والمجتمعية والثقافية والاقتصادية.
تعاني المرأة اليمنية من أنواع متعددة من التهميش، بالإضافة الى أشكال إقصاء في مواقع عملها على نطاق وأسع من محافظات الجمهورية اليمنية، ولابد من تسليط الضوء على هذه الظاهرة لما لها من أثار سلبية مدمرة على النساء وعلى تكوين النسيج الأجتماعي، رغم وجود مواثيق و أتفاقيات دولية تنص على ضررة إدماج المرأة في الجانب السياسي ،وطالبت بأهمية القضاء على كافة أشكال التمييز ومن هذه الاتفاقيات ما ذكر في قرار مجلس الأمن رقم (1325) والذي صدر في اكتوبر عام 2000م و نص على القضاء التام والكلي لكافة أشكال التمييز ضد المرأة وقد أكدت هذه الاتفاقية على ضرورة أشراك المرأة في كافة القطاعات ومنها القطاع السياسي في المؤسسات سواء الحكومية أو المدنية. ولازال مثل هذا القرار مغيب تماما في الجانب الواقعي الذي تعيشه المرأة اليمنية. كما أن الأوضاع المتردية التي تمر بها اليمن بسبب الحرب والتي زادت من حدة أشكال تهميش المرأة والتي منها تغييب دور المرأة اليمنية وتحجيم دورها في المجال السياسي وصنع القرار ، مما أثر على مستوى أستقرار المجتمع وأسهم في تعطيل عملية السلام.
و أذا ما أردنا التركيز على التحديات التي تعيق المرأة اليمنية من المشاركة في مضمار الحياة السياسية ممكن تبويبها في مجموعة من المجالات على النحو التالي:
*التحديات في المجال السياسي والقانوني* : نص الدستور اليمني على مجموعة قرارات تعطي المرأة الفرصة في ممارسة كافة حقوقها في مختلف المجالات الا أن هذه القرارات لازالت حبيسة الادراج, لذا تعد مشاركة المرأة اليمنية في الحياة السياسية محدودة للغاية.
وفقا لخطة الاتحاد البرلماني الدولي أشار الى أهمية تشجع البرلمانات على التوزيع المتناسب والمنصف للنساء البرلمانيات في اللجان دون الاقتصار على اللجان المعنية بالمرأة والطفولة والاسرة والصحة والتعليم، حيث أن البرلمانات التي يتم فيها مراعاة أدوار النوع الاجتماعي تؤدي مهامها على أكمل وجه إذا ما تولت المرأة مناصب قيادية تكون في موقف يمكنها من التأثير على التوجهات السياسية ويغير في الإجراءات والممارسات البرلمانية كما هو الحال في الارجنتين وأمريكا اللاتينية. وإذا ما نظرنا الى البرلمان اليمني والمعني بالجانب التشريعي والمراقب للجانب التنفيذي لوجدنا أن المرأة مغيبة تماما. ومازلن نساء اليمن يعتبرن غير قادرات على تحمل المسئولية في المجال السياسي المخصص للذكور, ورغم جهود المنظمات النسائية والمجتمع الدولي لإعطاء المرأة كافة الحقوق لنيل مكانتها في المجتمع الا ان الواقع الاجتماعي والموروث الثقافي لايزال يعتبر من أبرز العقبات والتحديات التي تواجه المرأة اليمنية، حيث ان النظرة الدونية للمرأة ومعاملتها على أنها مخلوق ضعيف محدود الأمكانيات وتابع للرجل لايزال هو المسيطر في مجتمع يتسم بالنظرة الذكورية، أن هذه العقلية هي التي تتحكم بالقرارات على مختلف الأصعدة الاجتماعية والسياسية وتعيق إدماج المرأة في العمل السياسي. كما أن طبيعة القوانين المتعلقة بحقوق المرأة بالذات في الجانب الاسري لازالت مجحفة، وهذا ما أشارت له بعض الدراسات اليمنية منها دراسة (القباطي،الشرعبي:2021). و قد ساهمت أوضاع الحرب المستمرة ولمدة ثمان سنوات و تدهور الوضع الأمني والاستقرار و أتساع رقعة النزاعات بحدة تهميش دور المرأة في مختلف المجالات وبالذات مجال الحياة السياسية, و أثر ذلك بشكل سلبي على حياة المرأة وترتب عليه تغيير في أدوار المرأة اليمنية ,وقد كشفت التقارير الدولية أن النساء في اليمن يخضن صراع يوميا بهدف تدبير الشؤون اليومية وتتعاظم معاناتهن في الحفاظ على كراماتهن والاهتمام بعوائلهن في منازل مكتظة وخيام غير أمنه يعشن فيها تحت الاستغلال والعنف النفسي و الجسدي.
*التحديات في المجال الاجتماعي والثقافي* : هناك نظرة اجتماعية نمطية لمشاركة المرأة في المجال السياسي تتسم بالدونية ، تعيق من محاولة بعض النساء الإسهام في صنع القرار وبناء النسيج المجتمعي وصولا” للسلام والنهوض بالتنمية، واذا ما أصرت المرأة على خوض ماله علاقة بالمجال السياسي ينظر لذلك انه نوع من أنواع التمرد الاجتماعي للخروج عن هيمنة الرجل، مما دفع الكثير من النساء إلى الاحجام عن ممارسة حقوقهن المشروعة في بناء النسيج الاجتماعي والنهوض بالتنمية المجتمعية، بالإضافة الى ان التنشئة الاجتماعية لعبت دور مهم في أحجام المرأة عن المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية بسبب نظرة التمييز بين الرجل والمرأة من حيث الكفاءة العقلية والقدرات الجسدية، فانحصرت مشاركتهن في الاعمال النسوية، جدير بالإشارة انه سمح للمرأة اليمنية بخوض المشاركة في المجال التعليمي والأكاديمي والصحي و ولكن حتى في هذه المجالات لازالت المرأة كفرد عامل وليس كفرد كصانع للقرار الا في حالات محدودة.
*التحديات في المجال الاقتصادية* : أثرت الحرب على المرأة اليمنية في مجال العمل حيث تضاعفت المسئولية على عاتقها بانها تحملت العبء الاكبر ، فأصبحت هي المعيل الاساسي في كثير من الاسر بسبب غياب رب الاسرة أو وفاته في الحرب أو بسبب الاعاقات الجسدية لبعض الرجال التي أدت الى حرمانهم من القدرة على العمل ، فخرجت المرأة بحثا عن مصادر توفير احتياجات اسرتها الأساسية .مما أجبر المرأة على قبول عمل بأجر منخفض جدا” لتستطيع توفير لقمة العيش لعائلتها ، ايضا جعلها تركز على مجالات تأمن لها مصدر دخل مثل عمل المشاريع الصغيرة المختلفة, كصناعة الطعام في المنازل، الخياطة ، تسويق المنتجات للمنازل ، التجميل ، البخور ،الحلويات …الخ) . من ابرز المعوقات في المجال الاقتصادي هو تدهور الوضع المعيشي وكان هذا التدهور بسبب انقطاع الرواتب وتدني مستوى الأجور ، يلي ذلك انتشار الفقر ،الذي أدى إلى أن تقبل المرأة أي نوع من الأعمال بمبالغ زهيده.
*تحديات تتعلق بالمرأة نفسها* : استجابة المرأة اليمنية للإيحائيات المجتمعية بدونية دورها والتقليل من أمكانياتها المختلفة في المشاركة في الحياة السياسية و بعملية صنع القرار ومنها قرار السلام المجتمعي مما أدى الى أحجامها عن تقديم مشاركات فعلية في هذا الجانب وقد يتطور ذلك لدى بعض النساء فتصبح عقبة كبيرة ، وهي نظره المرأة لقدراتها من منظورها الشخصي ،بحيث فقدت بعض النساء أن لم يكن أغلبهن الثقة بالنفس مما أنعكس على مستوى مشاركتها الفاعلة في النهضة المجتمعية بمختلف مجالاتها بسبب رسوخ بعض المعتقدات السائدة لديها، مثل أن دور المرأة الاساسي أنما يتمثل في الانجاب وتربية الابناء و الأعمال المنزلية، وما دون ذلك يعتبر خروج عن العرف الاجتماعي والنظرة السائدة . ففي ضوء هذه النظرة التقليدية تدنى مستوى مشاركة المرأة في الحياة السياسة و مراكز صنع القرار السياسي ومنها قرار السلام ، أو المشاركة في مجالات النهوض بالتنمية.
*تحديات في المجال الاعلامي* : أن الصورة النمطية الشائعة للمرأة اليمنية في الوسائل الإعلامية تعد من التحديات البارزة التي تعيق مشاركة المرأة في المجال السياسي , حيث تركز وسائل الاعلام في برامجها المختلفة على الدور الانجابي للمرأة على حساب دورها في الحياة السياسية و التعايش المجتمعي و عملية صنع السلام و النهوض بالتنمية.
*التحديات في المجال المهارى*: تهميش المرأة اليمنية ومحاولة إقصائها عن المساهمة في عدة مجالات بالذات السياسية عقبة بارزة أسهم في ضعف قدرات المرأة على الاتصال و التواصل بكافة شرائح المجتمع , كما أن ندرة الدورات التأهيلية في مجال العمل السياسي أسهم في عدم مشاركة المرأة في مختلف المجالات بالإضافة الى ذلك ضعف مستوى التعليم لدى النساء مثل عائق مصاحب لضعف مهارة الاتصال والتواصل لديهن.
تنظر الدراسات التنموية إلى مكون الإناث كقوى فاعلة يجب أن تستثمر قدراتها على كل المستويات ويعد تعليم المرأة الأساس الأول لتمكينها في مختلف المجالات ، بمعنى لايقبل الفكر التنموي أن تتحول النساء إلى أرقام مفبركة في المؤسسات بغية الحصول على مؤشرات دولية تتيح للدول الحصول على مساعدات نتيجة التحسن الرقمي في مؤشرات مشاركة المرأة في مختلف المجالات ، بل تشير المرجعيات التنمية إلى أهمية أن تكون مشاركة المرأة فعلية وبصورة إنتاجية مقيمة احصائيا ، و هناك أشكالية في دول العالم الثالث تخص الحكومات حيث تجعل من مشاركة المرأة مشاركة صورية يتم تحويلها لدى المنظمات الدولية إلى مشاركة فعلية حتى تحصل هذه الحكومات على ملايين الدولارات لدعم المنظمات النسوية والحكومية ذات الصلة باحتياجات المرأة. وللأسف رغم الموازنات الكبيرة التي تحصل عليه المنظمات النسوية والحكومية المهتمة بالمرأة ، إلا أنها ميدانيا لم تحسن من وضع المرأة المستهدفه وبالذات المرأة الفقيرة ومحدودة القدرات و العاجزة عن المشاركة
لذا حتى تتحول مشاركة المرأة إلى حالة فعلية على المستوى الميداني لابد من وضع أسس للتمكين الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي يرتكز على وصول المساعدات الدولية إلى الفئات المستهدفة بصورة مباشرة عبر مشاريع تنموية محددة ومباشرة من خلال أكساب المرأة بعض المهارات التي تمكنها من إختراق الدوائر التي يحتكرها الرجال بناء على قدراتهن الفعلية، ولن يحدث ذلك دون برامج تعليمية موجهة للمرأة لاتقتصر على التعليم النظامي بل تمتد إلى أشكال التعليم غير النظامي مثل الحاسوب واللغات والبرامج التعليمية المهنية وبرامج تنمية القدرات الادارية و القيادية ثم بعد ذلك يأتي الدعم الاقتصادي عبر قروض ميسرة لتمكين النساء اقتصاديا وزيادة دخلهن الشخصي ،يأتي بعد ذلك التفكير بالاليات المناسبة لواقع مجتمعات دول العالم الثالث لتمكين النساء سياسيا واجتماعيا وإدرايا *بشرط أن تكون الكفاءة والقدرة مقدمات هامة لذلك التمكين.*
أن وضع اليمن الحالي جعل مسألة تمكين المرأة اليمنية من الأسهام في النهوض بالجانب السياسي والاجتماعي ضرورة ملحة لحشد كل القوى المجتمعة البشرية بصورة منظمة لخدمة المجتمع. و لتخفيف سلبيات الوضع الراهن حيث أن مشاركة المرأة مقتصرة على فئة محدودة من الناشطات القادرات على اختراق اللوبي السياسي من الذكور والقادرات على الوصول إلى المنظمات المانحة..بينما تفتقد غالبية النساء المتعلمات والمؤهلات إمكانية الوصول إلى تلك الجهات وهذا يفقد المجتمع الاستفادة القصوى من القدرات النسوية الكامنة في مجتمعاتنا.
لتصبح مشاركة المرأة التي نقرأها في المؤشرات المرفوعة إلى الأمم المتحدة ارقام لا تعكس الواقع الفعلي لدور المرأة في مجالات التنمية الشاملة و المستدامة.
ووفقا لما تم طرحه من نقاط أساسية تعيق مشاركة المرأة في المشاركة الفاعلة في المجال السياسي لأبد من التنويه إلى أهمية سن التشريعات و القوانين التي تنصف المرأة وتعطيها كافة حقوقها أولا” في المحيط الاسري والبيئة المجتمعية، ومن ثم التشريعات الخاصة بحقوقها في المساهمة في معترك الحياة السياسية و صنع القرار وبناء عملية التعايش المجتمعي والنهوض بالسلام و التنمية المجتمعية بشكل فعلي وهذا يتفق مع قرار( 1325 ) الذي اتخذه مجلس الأمن .
وعموما يمكننا القول أن تمكين المرأة اليمنية وبالذات تمكينها من المساهمة في معترك الحياة السياسية وصنع القرار هو العملية التي سيتم بمقتضاها توفير فرص أكبر للمرأة للحصول على الموارد والمعارف والمهارات والمعلومات اللازمة لمساعدتها على تحسين ظروفها المعيشية وإنجاز أهدافها، وذلك بهدف تعزيز قدرتها على المساهمة الإيجابية في تطوير المجتمع في المجالات السياسية و الاجتماعية والاقتصادية باعتبارها عنصر أساسي في المجتمع . و تعد التنمية هي الهدف الأسمى الذى تتطلع إليه كافة المجتمعات المتقدمة والنامية على حد سواء، و اليمن حاليا هي أشد المجتمعات حاجة للتنمية لإيجاد الحلول للكثير من المشكلات الاجتماعية و الاقتصادية والسياسية التي ترزح اليمن تحت وطأتها ابان سنوات الحرب , ولن يتأتى ذلك دون أشراك المرأة في الشؤون السياسية والحياة العامة والمدنية، مما يقتضي تضافر الجهود بداية باصرار المرأة نفسها بفاعلية دورها ولا تكتفي فقط بالمطالبة والدور السلبي, ومن ثم يأتي دور المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني في خلق الوعي المجتمعي والابتعاد عن الثقافة الذكورية النمطية, ولابد من أن تعلب الجهات الرسمية دور في النظر بجدية إلى أهمية إتاحة الفرصة لمشاركة المرأة في صنع القرار , ليس في التمثيل النسبي فحسب بل العمل على الحد من الممارسات التحريضية التي تقوم به جماعات الدين السياسي التي تسعى جاهدة الى تهميش المرأة وإلغاء دورها.
د.أحلام القباطي
أكاديمية, باحثة في مجال التنمية والنوع الاجتماعي. أمين عام مساعد لشؤون المرأة للتكتل اليمني للسلام.


