الرجل الذي إذا خسرناه خسرنا الكثير

لحج الغد / كتب / عمر العناني
في بداية الحديث، أتوقف عند هذه العبارة التي قالها أحد موظفي شركة النفط اليمنية – فرع عدن في وقت سابق: «إذا خسرنا هذا الرجل، راح نخسر كل شيء».
لم تأتِ هذه العبارة من فراغ، بل جاءت في ظل موقف صعب واجهته الشركة وموظفوها، عقب صدور قرار يقضي بتحويل رواتب موظفي المؤسسات والشركات العامة إلى شركات الصرافة.
كان القرار يمثل اختباراً حقيقياً لإدارة الشركة وموظفيها، خصوصاً أن الدكتور صالح عمرو الجريري كان قد تسلم حينها منصب مدير عام فرع الشركة منذ فترة قصيرة، ولم تكن قد اكتملت بعد معرفته بتفاصيل العمل وموظفيه، كما لم يكن الموظفون قد تعرفوا عليه بصورة كافية.
وباعتبار أن القرار صدر من جهة سيادية، كان التعامل معه يتطلب قدراً كبيراً من الحذر، خصوصاً أن رفض تنفيذه قد يضع مدير الفرع أمام تبعات إدارية ومهنية.
لكن الدكتور الجريري، وبعد أن لمس رفض الموظفين للقرار، اختار التعامل مع الأمر من زاوية الحفاظ على حقوقهم ومصالحهم، وتحرك لمعالجة الموضوع مع الجهات المعنية، بدلاً من الاكتفاء بتنفيذ القرار كما هو.ط
وكان هذا الموقف من أول الاختبارات التي واجهها في بداية توليه إدارة الفرع، كما كان له أثر واضح في بناء علاقة قائمة على الثقة بينه وبين موظفي الشركة.
ولم يقتصر الأمر على معالجة قضية الرواتب، إذ حرص الجريري خلال الفترة اللاحقة على الاستماع إلى الموظفين والاقتراب من الإدارات المختلفة، سواء عبر اللقاء بالنقابة أو من خلال النزول إلى الإدارات والاستماع بصورة مباشرة إلى الملاحظات والمشكلات التي يطرحها الموظفون.
وفي المؤسسات الكبيرة، قد تكون المسافة بين الإدارة والموظفين سبباً في تأخر معالجة كثير من القضايا، لكن التواصل المباشر يتيح للإدارة فهم تفاصيل العمل من الميدان، ومعرفة التحديات التي قد لا تظهر في التقارير الرسمية.
ومن هنا أستعيد العبارة التي قيلت في ذلك الوقت: «إذا خسرنا هذا الرجل، راح نخسر كل شيء». وهي عبارة يمكن فهمها اليوم في سياق ما تركه ذلك الموقف من انطباع لدى الموظفين، لا باعتبارها حكماً مطلقاً على شخص أو مؤسسة.
لقد مرت الشركة، شأنها شأن بقية مؤسسات الدولة، بظروف صعبة خلال السنوات الماضية، في ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية المعقدة والصعوبات التي انعكست على مختلف القطاعات.
ومع ذلك، استمرت إدارة الفرع في محاولة التعامل مع التحديات وفتح مسارات جديدة للعمل، والاستفادة من خبرات المستشارين ومديري الإدارات والكوادر العاملة في الشركة، انطلاقاً من حقيقة أن العمل المؤسسي لا يقوم على شخص واحد، وإنما على تكامل جهود الجميع.
ومن هذا المنطلق، فإن دعم الكفاءات الإدارية وتوفير الظروف المناسبة لها للقيام بمهامها، مسؤولية تقع على عاتق الجهات العليا في الدولة والوزارة، خصوصاً عندما تكون المؤسسة أمام ملفات وتحديات تتطلب الاستقرار والاستمرارية.
ولذلك، فإنني أناشد قيادة الدولة ووزارة النفط والمعادن النظر إلى احتياجات شركة النفط اليمنية – فرع عدن، ودعم جهودها بما يخدم العمل المؤسسي ويحافظ على استقرار الشركة وحقوق موظفيها، بعيداً عن الأشخاصنة أو المبالغة في التقييم.
أما العبارة التي بدأت بها هذا المقال، فربما يكون معناها الأهم أن الموظفين، في نهاية المطاف، يبحثون عن إدارة تستمع إليهم، وتحمي حقوقهم، وتشاركهم مواجهة الصعوبات.
وهذا ما يجعل المواقف العملية هي المعيار الحقيقي الذي يُبنى عليه تقييم أي مسؤول.



