مقالات

أشجار السنديان تموت واقفة: في الذكرى الأولى لرحيل رفيق الدرب الثائر الجسور صالح سريع القطيبي

المستشار الشيخ/عيدروس حسن الخريشي

Img 20261005 Wa0026
تمرّ علينا الذكرى الأولى لرحيل المناضل الجسور صالح سريع علي، في ظروف استثنائية عصيبة يمر بها الوطن، ظروف تجعلنا أكثر احتياجاً لأولئك الرعيل الأول من الحكماء والرجال الأوفياء. لكنها إرادة الأقدار التي تغيّب عنا أنبل وأعز الرجال. وبمناسبة هذه الذكرى الخالدة، نستحضر بوفاء وإجلال شذرات من مناقبه العملية والنضالية الخالدة.
يرحل العظام واقفين كأشجار السنديان الشامخة، تاركين خلفهم ظلالاً وارفة من الذكرى العطرة والأثر الطيب. وهكذا رحل رفيق الدرب، المناضل الفذ صالح سريع علي، تاركاً في سفر النضال الوطني بصمات لا يمحوها الزمن.
لقد حمل فقيدنا البندقية في وقت مبكر من حياته، ملتحقاً بصفوف الكفاح المسلح إبان حرب التحرير ضد الاستعمار البريطاني. وكان له شرف المشاركة في عمليات نوعية؛ حيث تمكن -بالتسلل إلى روابض الطائرات وزرع الألغام الأرضية بمساعدة رفيق دربه المناضل الراحل محمد جابر وآخرين- من تفجير طائرتين حربيتين بريطانيتين من طراز (هوكر هنتر) في مطار الحبيلين خلال مراحل متفرقة من مرحلة التحرير.
وفي حرب عام 1972م على جبهة “كرش” الحدودية، كان الفقيد صالح سريع في مقدمة المدافعين عن حياض الوطن، إلى جانب رفاقه المناضلين مثل المناضل سعيد صالح سالم، وأخيه الشهيد قاسم سريع علي، والمئات من أبناء ردفان الأبطال. وعندما أُصيب المناضل سعيد صالح في الخطوط الأمامية وكان محاصراً في مناطق جبلية وعرة لا تصل إليها السيارات، هبّ الفقيد صالح سريع لإسعافه وحمله على ظهره لمسافة كيلومترين حتى وصل به إلى بر الأمان.
وفي مواجهات عام 1979م، كان الفقيد مجدداً في مقدمة الصفوف برفقة أخيه قاسم سريع، وسعيد صالح، والمناضل بليل بن راجح لبوزة، وأخيه اللواء محمد راجح لبوزة، والفقيد فضل السناني، والمئات من أبناء ردفان الأوفياء؛ وقد أُصيب فقيدنا خلالها بطلق ناري في يده اليسرى وبعض الشظايا.
وعلى الصعيد السياسي، ونتيجة للصراعات المؤسفة بين الجبهة القومية وجبهة التحرير عقب الاستقلال عام 1967م، نزح الفقيد إلى الشمال، قبل أن يعود في السبعينيات إلى أرض الوطن ليتولى مسؤولية مساعد مأمور مركز “القشعة” بمديرية ردفان. وفي يناير من عام 1986م، فرضت عليه الصراعات السياسية المؤسفة بين رفاق الدرب نزوحاً قسرياً آخر إلى الشمال، ليعود إلى أرض الوطن بعد حرب عام 1994م. وعقب عودته، شغل منصب مأمور مديرية ردفان بمراكزها الأربعة (التي أصبحت اليوم مديريات مستقلة)، ثم رُشّح رئيساً للمؤتمر الشعبي العام بمحافظة لحج، ومن ثم وكيلاً للمحافظة، وهو المنصب الذي ظله يشغله حتى وفاته.
لم يكن الفقيد مجرد مناضل عابر، بل كان ثورة متجسدة في رجل، ومدرسة في البذل والعطاء. لقد وهب للوطن أغلى ما يملك، فقدمت أسرته كوكبة تزيد على عشرة شهداء، وحمل على عاتقه أعباء الوطن بصبر لا يلين وعزيمة لا تعرف الكلل.
عرفته الأيام مناضلاً من طراز فريد حين كان مساعداً لمأمور مركز “القشعة”، وازدادت معرفتي به وقربي منه عندما تولى ذات المنصب في مركز “الملاح” بمديرية ردفان قبل إعلان الوحدة. في ذلك الزمن الذي شحّت فيه الإمكانيات، كان صالح سريع نبعاً فياضاً؛ يعمل ليل نهار لا كمسؤول إداري فحسب، بل كان بمثابة “الدولة في رجل”؛ فهو مساعد المأمور، ومدير الأمن بعينه الساهرة، والنيابة بصوت الحق، والقاضي بحكمة الأب وبصيرة القائد.
كان الفقيد هو الحاضر في كل حراك بالمركز، يحل قضايا الناس بروح العدل والإصلاح عبر لجان الدفاع الشعبي، واتحاد الفلاحين، واتحاد النساء؛ فكان نبضها المشرق ومرشدها الأمين. لم تستعصِ على حكمته قضية، ولم تُرَحَّل في عهده مشكلة واحدة إلى أروقة المديرية أو المحافظة، فقد كانت الحلول تولد من رحم الأرض ومن ضمير الناس، ومن يرفض الإنصاف كان يجد منه الردع الحازم المشفوع بالحكمة. وفي عالمه الإداري والإنساني، لم يكن هناك مجالي للوساطة أو المحسوبية أو المناطقية المقيتة.
نسج الفقيد صالح سريع علاقة أبوية وثيقة مع جميع أبناء المركز؛ يعرفهم فرداً فرداً، الصغير قبل الكبير، والطالب والعسكري والفلاح والعامل. كان حافظاً لسيرهم، قارئاً لطباعهم، لا يترفع عن أحد، بل كان واحداً منهم يقاسمهم رغيف الخبز ويشاركهم طعامهم في بيوتهم الطينية المتواضعة وهو يجوب القرى لحل مشاكلهم وتفقد أحوالهم.
أما سيارته الشخصية فلم تكن ملكاً خاصاً، بل كانت ملكاً للجميع؛ فهي سيارة الإسعاف لنجدة المريض، وموكب الزفاف لنقل الفرح، ووسيلة النقل الوحيدة لكافة مسؤولي المركز، وكان هو السائق والمسعف والمسؤول وشعلة العطاء التي لا تطفأ.
وبقدر تواضعه بين أهله وناسه، كان كبيراً في عيون القيادة؛ إذ حظي بثقل نضالي وسياسي رفيع، وباحترام القيادة السياسية ممثلة بالرئيس علي ناصر محمد ونائبه علي أحمد ناصر عنتر، كما نال مكانة خاصة في قلب ووجدان رفيقه المناضل سعيد صالح سالم.
رحل فقيدنا كما عاش؛ عفيف النفس، كبير المقام. لم يترك خلفه قصوراً ولا عقارات، بل ترك إرثاً لا يُقدّر بثمن: حب الناس وولاؤهم. وكان كل ما امتلكه بيتاً شعبياً متواضعاً في منطقة “صبر”، بناه بدمع العين وعرق الجبين وكدّ أولاده بعد حرب 1994م، أثراً لابتيلاع الحرب منزله الخشبي في خور مكسر.
هكذا هم المناضلون الأوفياء.. يموتون واقفين كالأشجار، جذورهم ضاربة في أعماق أرض الوطن، وفروعهم تعانق السماء.
رحمة الله تغشاك يا أخي ورفيق دربي، أيها الثائر النبيل صالح سريع علي، وطاب مقامك في جنات الخلد مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقاً.
كتبه رفيقك المخلص: المستشار/ عيدروس حسن محمد الخريشي مستشار قائد اللواء الخامس دعم وإسناد – ردفان 3 أكتوبر 2026م