الجيش الجنوبي: مسيرة 55 عاما من التضحيات والنضال والبناء

الجيش الجنوبي: مسيرة 55 عاما من التضحيات والنضال والبناء
لحج الغد – فؤاد قائد جُباري
في الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي، نقف بإجلال أمام تاريخ حافل بالبطولات والتضحيات، ونستحضر مسيرة جيش كان ولا يزال رمزا للسيادة والكرامة الوطنية. إن هذه الذكرى ليست فقط مجرد مناسبة للاحتفاء بالماضي، بل محطة للتأمل في واقعنا الراهن واستشراف مستقبلنا، وتذكير بالمسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتقنا جميعا في الحفاظ على هذا الصرح العسكري الذي يمثل العمود الفقري للمشروع الوطني الجنوبي.
الجيش الجنوبي: النشأة والدور الوطني
منذ تأسيسه في الأول من سبتمبر عام 1971، كتب للجيش الجنوبي أن يكون درعا للوطن وسيفا للكرامة. ففي تلك المرحلة التأسيسية، جسد هذا الجيش إرادة شعب نال استقلاله بعد نضال طويل ضد الاحتلال البريطاني، وكانت مهمته الأولى حماية السيادة الوطنية وصون مكتسبات الدولة الفتية .
على مدى عقود، أثبت الجيش الجنوبي كفاءته العالية وقدرته على مواجهة مختلف التحديات. فقد خاض معارك بطولية في حماية الحدود الجنوبية، وتصدى لمحاولات التوغل والاختراق، وساهم بفعالية في مكافحة التنظيمات الإرهابية التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها . ولم تقتصر بطولاته على الدفاع عن الداخل، بل امتدت لتشمل مواقف عربية مشرفة، حيث وقف الجيش الجنوبي إلى جانب الثورة الفلسطينية، وكان عضوا فاعلا في جبهة الصمود والتصدي ضد مشروع كامب ديفيد .
وكان للجيش الجنوبي دور محوري في حماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر وبحر العرب وخليج عدن، حيث ظلت الممرات المائية مؤمنة بفضل قوة البحرية الجنوبية التي حمت المنطقة من آفة القرصنة التي انتشرت في السنوات اللاحقة . وفي حرب أكتوبر 1973، كان للجيش الجنوبي موقف عربي مشرف، حيث أسهم في تحقيق الانتصار المصري من خلال إغلاق مضيق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية لنحو أربعة أسابيع.
محطات الصعاب والتآمر
مر الجيش الجنوبي بمحطات عصيبة هزت كيانه، كان أبرزها أحداث يناير الدامية عام 1986، حين تحول الصراع السياسي داخل الحزب الاشتراكي اليمني إلى مواجهة مسلحة مكلفة، أوقعت آلاف القتلى وأدت إلى مقتل المئآت ونزوح عشرات الآلاف من الكوادر القيادية والخبرات العسكرية، مما أضعف الجيش والدولة على حد سواء. هذه الأحداث شكلت جرحا غائرا في الذاكرة الجنوبية، ومهدت الطريق لاحقا لتداعيات أكبر رجمت بالبلد إلى فم الوحدة.
كانت الوحدة اليمنية عام 1990 حدثا مفصليا، حمل في طياته آمالا سرعان ما تلاشت أمام واقع سياسي وعسكري قاس. فبدلا من الاندماج العادل بين جيشي الشمال والجنوب، تعرض الضباط والجنود الجنوبيون للتهميش والإقصاء، ثم الإحالة القسرية على التقاعد كسياسة عقابية بعد حرب صيف 1994، بل اليعض منهم تم تصفيتهم بظروف متعددة. هذه السياسات كانت بمثابة تفكيك ممنهج للجيش الجنوبي، واستهداف مكشوف لكوادره، واغتيال لمعنوياته، ومحاولة لطمس هويته الوطنية.
استعادة الدور: ملحمة 2015
جاء عام 2015 ليكون فاصلا تاريخيا في مسيرة القوات الجنوبية، حين اندفع المشروع الحوثي المدعوم من إيران نحو الجنوب، محاولا فرض سيطرته على كامل تراب المحافظات الجنوبية، وكانت العاصمة عدن هدفا استراتيجيا رئيسيا. هنا، انبعثت روح الجيش الجنوبي من جديد، وتشكلت نواة “المقاومة الجنوبية” التي وقفت سدا منيعا في وجه التمدد الحوثي.
في ملحمة تحرير مدينة الضالع، كأول مدينة دحرت التمدد الحوثي وكسرت المشروع الإيراني، أثبتت المقاومة الجنوبية، بقيادة الرئيس عيدروس قاسم الزبيدي، قدرتها على هزيمة المليشيات وتحرير مساحات شاسعة من الأراضي، امتدت نحو مديرية المسيمير وكرش ومن ثم معسكر العند بلحج.
وفي العاصمة عدن في السابع والعشرين من رمضان 2015، سطر أبناء الجنوب واحدة من أعظم البطولات في تاريخهم المعاصر، إذ تحولت شوارع العاصمة إلى ساحات مواجهة شرسة، حيث قاتل شباب الجنوب بإيمان راسخ بعدالة قضيتهم، مستعينين بمعرفتهم الدقيقة بتضاريس المدينة، ومستمدين قوتهم من تلاحمهم مع شعبهم. بالرغم من عدم تكافؤ القوة، وافتقار المقاومة للسلاح والخبرة الكافية، استطاعوا كسر شوكة المليشيا وإلحاق خسائر فادحة بها، ليتوج هذا الصمود الأسطوري بطرد القوات الحوثية وعصابات نظام صنعاء من العاصمة عدن، وامتدت بعد ذلك عمليات التحرير إلى باقي محافظات الجنوب.
بناء القوات المسلحة الجنوبية الحديثة
انطلاقا من نجاحات المقاومة، تم الشروع في عملية تأهيل وبناء مؤسسي للقوات المسلحة الجنوبية على أسس حديثة، بدعم من التحالف العربي. تنوعت هذه التشكيلات لتلبي متطلبات الأمن والدفاع في مختلف المحافظات، ومنها:
– قوات العمالقة: التي انبثقت من المقاومة الجنوبية بقيادة اللواء عبدالرحمن المحرّمي، وبدعم من التحالف العربي ممثل بدولة الإمارات، ووصل عدد ألويتها إلى عشرات الألوية، تضم عشرات الآلاف من المقاتلين، ولها دور بارز في تحرير الساحل الغربي وشبوة، وانتشرت في محافظات جنوبية أخرى لبسط الأمن والدفاع عن المدن، ولاتزال تواجه المليشيات الحوثية في جبهات القتال، والتي تعتبر من أشرس وأكفأ القوات في جبهات القتال ضد مليشيا الحوثي على مستوى الجنوب واليمن عموما.
– القوات البرية الجنوبية: التي تشكل العمود الفقري للقوات المسلحة الجنوبية الحديثة، والذي يعود الفضل في تأسيسها وتدريبها وتأهيلها الرئيس عيدروس قاسم الزبيدي واللواء الركن أبو طاهر البيشي، بدعم من التحالف العربي على رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي انبثق منها:
. قوات النخبة الحضرمية: التي تشكلت لاستعادة الأمن من تنظيم القاعدة في ساحل حضرموت، والتي كانت تتمتع بشرعية شعبية واسعة داخل حضرموت قبل تنال منها أحداث يناير الماضي بقصف الطيران السعودي.
. قوات النخبة الشبوانية ومن ثم درع شبوة: التي تسيطر على غالبية محافظة شبوة وتحارب التنظيمات الإرهابية، وتبسط الأمن فيها وتشارك في جبهات القتال ضد المليشيات الحوثية.
. قوات الأحزمة الأمنية: التي ساهمت في حفظ الأمن والاستقرار في المدن الجنوبية، منها العاصمة عدن وأبين ولحج والضالع.
وقد تلقت هذه القوات -جميعها- دعما لوجستيا وتدريبيا من القوات المسلحة الإماراتية، مما ساهم في رفع جاهزيتها وكفاءتها القتالية.
التحديات الراهنة ومسؤولية الحفاظ على الجيش
اليوم، وبعد أحداث يناير 2026 المؤسفة، نقف أمام مسؤولية تاريخية أكبر من أي وقت مضى. فالقوات الجنوبية التي أعيد بناؤها بتضحيات جسيمة، وباتت تمثل ثمرة نضال شعب بأكمله، تواجه تحديات جسيمة. هنالك تآمر مكشوف من قوى يمنية معادية تسعى إلى تدمير هذه القوات والزج بها في صدامات غير محسوبة مع أطراف في التحالف، بهدف إخلاء الساحة لها للعودة والسيطرة على الجنوب واحتلاله مجددا
إن هذه القوات ليست مجرد تشكيلات عسكرية، بل هي حصن المشروع الوطني الجنوبي وحامية القضية الجنوبية، وبدونها، سنخسر كل شيء، وسنخسر مشروعنا في التحرير والاستقلال برمته. فهي التي تحمي مكتسبات ثورتنا وهي التي تصون دماء شهدائنا.
لذلك، يجب علينا جميعا أن نكون واعين لهذه المؤامرات، وأن نعمل على تعزيز وحدة صفنا، والتفافنا حول قيادتنا، وأن ندرك أن الحفاظ على قواتنا المسلحة بجميع تشكيلاتها هو واجب وطني مقدس، وأن المغامرة بهذه القوات في مواقف غير محسوبة أو الانسياق وراء مخططات تفتيتية هو خيانة لأمانة النضال وتضييع لتضحيات الأبطال.
إن الجنوب، بشعبه وجيشه، قادر على تجاوز كل التحديات. فالطريق إلى استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة يمر عبر الحفاظ على هذه القوات وتعزيز قدراتها، فهي العمود الفقري للمشروع الوطني الجنوبي، وهي التي ستبقى بإذن الله صمام أمان الجنوب ودرع أبنائه، حتى تحقيق النصر النهائي والاستقلال المنشود.


