مقالات

لماذا طال أمد الحرب في اليمن؟

تشخيص بعيد عن الاصطفاف... ومتى نستعيد قرارنا؟

لحج الغد / بقلم ..حمير سعد الجعفري

ليس السؤال اليوم: من بدأ الحرب؟ ولا من يتحمل المسؤولية وحده؟ فهذه الأسئلة، رغم أهميتها، لم تعد كافية بعد خمسة عشر عامًا من الصراع.
السؤال الأكثر إلحاحًا هو: لماذا طال أمد الحرب في اليمن؟ ولماذا عجز اليمنيون حتى الآن عن الوصول إلى سلام ينهي هذا النزيف؟
خمسة عشر عامًا مضت منذ أحداث عام 2011، واليمن لم يعرف منذ ذلك الحين استقرارًا حقيقيًا. خمسة عشر عامًا من الصراع والانقسام والحرب والجوع والتشرد، وكأن الدم اليمني ما زال يسقي هذه الأرض دون أن ترتوي.
وبعد كل هذه السنوات، أعتقد أننا بحاجة إلى تشخيص مختلف؛ تشخيص لا يقوم على الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك، ولا يبحث عن شماعة نعلّق عليها كل أخطائنا، وإنما يحاول أن ينظر إلى الأزمة من زاوية يمنية خالصة.
في اعتقادي، لا يمكن اختزال أسباب الحرب في طرف واحد. فجزء كبير من المشكلة يكمن في غياب الوعي السياسي لدى كثير من النخب السياسية والثقافية، وفي تراكم الخصومات والأحقاد التي خلفتها أحداث عام 2011 وما تلاها.
وحتى اليوم، ما زلنا نختلف حول تسمية تلك الأحداث: هل كانت ثورة أم أزمة؟
أنا أراها ثورة خرج فيها يمنيون يحملون أحلامًا حقيقية بالتغيير وبناء مستقبل أفضل، لكنها، للأسف، تحولت لاحقًا إلى أزمة سياسية، ثم إلى صراع مفتوح، وصولًا إلى حرب دفعت البلاد ثمنها غاليًا.
المشكلة أننا لم نراجع تلك التجربة بموضوعية. فكل طرف يروي التاريخ من زاويته، وكل حزب يحمّل الآخر المسؤولية، وكل جماعة ترى نفسها صاحبة المشروع الوطني، بينما تنظر إلى خصومها باعتبارهم خونة أو أعداء للوطن.
وهكذا أصبحنا ننظر إلى اليمن من خلال الحزب والطائفة والمنطقة والعقيدة السياسية، بدلًا من أن ننظر إلى كل هذه الانتماءات من خلال اليمن.
وحين فشلنا في إدارة اختلافاتنا، فقدنا تدريجيًا القدرة على إدارة قرارنا السياسي بأنفسنا.
ومع استمرار الصراع، أصبح لكل طرف تقريبًا حليف أو داعم أو راعٍ خارجي، ولكل دولة مصالحها وحساباتها التي ليست بالضرورة هي مصالح الشعب اليمني.
وهكذا تحول اليمن شيئًا فشيئًا من قضية يقرر اليمنيون مستقبلها، إلى ملف تتداخل فيه الحسابات الإقليمية والدولية.
وهذه، في نظري، واحدة من أهم أسباب إطالة أمد الحرب.
فعندما لا نمتلك قرار الحرب، يصبح من الصعب أن نمتلك قرار السلام.
لكن سيكون من السهل جدًا أن نحمّل الخارج المسؤولية كاملة ونبرئ أنفسنا.
الحقيقة التي يجب أن نعترف بها بشجاعة هي أننا، نحن اليمنيين، فتحنا الأبواب أمام التدخلات الخارجية عندما فشلنا في إدارة خلافاتنا، وعندما سمحنا للخصومة السياسية بأن تصبح أكبر من الوطن.
ولذلك، فإن استعادة القرار السياسي اليمني لا تبدأ بمعاداة الخارج، وإنما تبدأ من الداخل؛ من قدرتنا على الاتفاق على أن اليمن أولًا، وأن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى صراع وجودي.
وبعد كل هذه السنوات، ماذا حققنا؟
قُتل اليمنيون، وتشرد الملايين، وثكلت الأمهات أبناءهن، وترملت النساء، وكبر أطفال وهم لا يعرفون من وطنهم إلا الحرب والخوف والانقسام.
تدهور الاقتصاد، وتراجعت الخدمات، وتآكلت مؤسسات الدولة، وأصبح المواطن اليمني يدفع ثمن صراع لم يختره.
ألم يكفِ كل هذا الوجع؟
إن إنهاء الحرب يحتاج إلى شجاعة سياسية وأخلاقية؛ شجاعة تضع فيها القوى اليمنية الفاعلة البنادق جانبًا، وتجتمع إلى طاولة واحدة، لا باعتبار بعضها منتصرًا وبعضها مهزومًا، وإنما باعتبار الجميع مسؤولين أمام شعب يستحق الحياة.
نحتاج إلى حوار يمني حقيقي يجيب عن الأسئلة التي هربنا منها طويلًا:
ما شكل الدولة التي نريدها؟
كيف نضمن المواطنة المتساوية؟
كيف نحمي حقوق جميع اليمنيين؟
وكيف نستعيد القرار السياسي اليمني، بحيث تكون علاقتنا بالخارج علاقة دولة ذات سيادة، لا علاقة أطراف تبحث عن الدعم في صراعاتها الداخلية؟
ويكفي تخوينًا لبعضنا بعضًا.
يمكن أن نختلف سياسيًا وفكريًا ومذهبيًا ومناطقيًا، لكن لا ينبغي أن يتحول اختلافنا إلى مبرر لتمزيق وطن كامل وتحويله إلى كانتونات متصارعة.
لقد حان الوقت لصوت يمني مستقل لا يسأل: من المنتصر؟
بل يسأل: كيف ننقذ اليمن؟
صوت لا يبحث عن هزيمة أخيه اليمني، وإنما عن إعادة جمع البيت اليمني.
فلا أحد يستطيع أن ينتصر على وطنه، ولا يمكن لأي طرف أن يبني مستقبلًا آمنًا فوق أنقاض وطن ممزق.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن البندقية لم تقدم لنا الحل، وأن استمرار الحرب لن يصنع وطنًا أفضل، ولن يعيد من فقدناهم، ولن يمنح أطفالنا مستقبلًا أكثر أمنًا.
خمسة عشر عامًا كانت كافية لكي ندرك أن الحرب ليست قدرًا أبديًا، وأن السلام ليس ضعفًا، وأن الاعتراف بالآخر ليس هزيمة.
فكم عامًا أخرى نحتاج؟
وكم يمنيًا آخر يجب أن نفقد؟
وكم بيتًا آخر يجب أن يُهدم؟
قبل أن ندرك جميعًا أن اليمن أكبر من أحزابنا، وأكبر من جماعاتنا، وأكبر من خلافاتنا، وأن الوطن في النهاية هو بيتنا جميعًا؟
..
رئيس الجاليه اليمنيه في كنداء