أخبار المحافظاتأخبار لحجصفحات من تاريخ لحجمقالات

*ماذا لو عادوا من جديد ..؟


30_5_2026

أنسام عبدالله

​لم تكن لحج يوما مجرد جغرافيا عابرة في خاصرة الجنوب، بل كانت واحة النغم والفكر، وأرض الوفرة والسيادة..هكذا عرفها التاريخ ولازال ..

أما اليوم.. والجنوب يعيشُ مخاضا سياسيا واجتماعيا يعيد فيه ترتيب أوراقه، وتلوح في الأفق بوادر عودة معنوية أو رمزية لأحفاد السلاطين – على غرار ما شهده بيت السلطنة اليافعية – يقف المرء متأملا أمام سؤال يحمل من الشجن بقدر ما يحمل من علامات الاستفهام: ماذا لو عاد سلاطين لحج مرةً أخرى إلى المشهد بعد كل هذه السنين والتحولات الكبيرة التي عصفت بتاريخ الجنوب بل واليمن ..؟

​أيضا .. ماذا سيعيد سلاطين لحج معهم إن أتوا ؟!، هل سيعيدوا الجغرافيا للحج من زمن “التأميم” ومن بعده زمن “الفيد” والخصخصة الجائرة ؟ ..

​حين نفتش في دفاتر التاريخ، نجد أن “السلطنة العبدلية” في أوج اتساعها وقوتها لم تكن مجرد “حوزة” ترابية تابعة لعدن ! بل كانت كيانا سياسيا “وازنا” يمتلك خارطة سياسية وجغرافية شديدة الأهمية والتأثير.. فمن قلبها النابض في دلتا تبن (بفرعيه الوادي الكبير والصغير) وعاصمتها الحوطة، امتدت حدود السلطنة لترسم ملامح السيادة على رقعة شاسعة:

​شمالا وشمالا غربيا .. حيث امتد النفوذ العبدلي ليشمل سفوح المرتفعات الجبلية المحاذية لتعز والبيضاء، حيث شكلت مناطق مثل “القبيطة” و”المقاطرة” و”طور الباحة” حزاماً دفاعياً متقدماً للسلطنة.

أما جنوبا فقد امتدت حتى حدود بحر صيرة في عدن، لتكون لحج هي البر الحامي والعمق التمويني والزراعي الوحيد لهذا الثغر العالمي..

كذلك ​شرقا وغربا.. التقت حدودها شرقا مع سلطنة الفضلي في أبين، بينما امتدت غربا عبر أراضي الصبيحة الشاسعة لتصل بمشارفها إلى تأمين خطوط التجارة البرية نحو باب المندب.

​إنّ هذه الجغرافيا المترامية لم تكن مجرد مساحات للإستقرار، بل كانت خطوط مواجهة ساخنة في صراع تاريخي مرير خاضته لحج ضد الأطماع القادمة من الهضبة الشمالية “المد الزيدي الإمامي”، حيث كانت السلطنة العبدلية صمّام أمان حقيقي لحماية الهوية الثقافية والسياسية للجنوب !

فبرجالها وحنكة سلاطينها، وقفت لحج حائط صد منيع أمام زحوفات الأئمة الكهنوتية التي حاولت مرارا كسر هذه الجبهة للوصول إلى عدن والسيطرة على السواحل..

​ولم يكن الأمير والشاعر أحمد فضل القمندان في منأى عن هذا الصراع، بل كان توثيقه الشعري بمثابة بيان سياسي وعسكري صاغه بلسان الفخر ليؤكد جهوزية لحج لصد هذا المد، راسما حدود السلطنة في قصيدته الشهيرة “يا رسولي سلم لي” حيث يقول:

يا رسولي سلّم لي على الأمْر محسن
واسْأَلُهْ في الدِّريجا لِيْهْ صايح ونادي

فين قُوم الرَّفَضْ ذي باتهِدْ أو باتْهِدِّن
قُلْ لِصالح عُبادِةْ اسأل اين احمد عُبادي

إلى آخر القصيدة التاريخية ..
​التي تؤكد دور لحج التاريخي في مقارعة المد “الرافضي” ..

​إذا قرر أحفاد سلاطين لحج العودة لن يجدوا “قصر الروضة” أو “قصر الحجر” كما تركوه..بل سيجدون أطلالا تبكي مجدا داسه الإهمال، وقصورا تاريخية أخرى لم تعد كما هي ..ولم يتم احترام تاريخها كونه جزء من تاريخ لحج وعدن ..

​إن المأساة الحقيقية لا تكمن في الجدران، بل في “الأرض” ! ..تلك الأراضي الزراعية الشاسعة والخصبة في دلتا تبن والحوطة، التي أُمّمت في سبعينيات القرن الماضي تحت شعارات “الأرض للفلاحين”، والتي لم تعد للفلاحين اليوم، بل تحولت إلى ساحة نزاع دائم أزهق الأرواح.. والأدهى من ذلك، أن تلك الواحة الخضراء التي كانت سلة غذاء الجنوب، تبدلت في العقود الأخيرة لتصبح مخططات سكنية تُباع حيث جفت الأرض ليحل محلها الإسمنت القاحل..

أما عن ​ديموغرافية لحج الممزقة .. فحدث ولا حرج ..إذ ​تعيش لحج اليوم تحولا دراماتيكيا في تركيبتها الإجتماعية طَمَسَ معالمها المميزة ..

​لقد تحولت لحج إلى مخيم كبير ومأوى لآلاف النازحين من مختلف المحافظات اليمنية المتأزمة، وهو نزوح وإن كان إنسانيا في ظاهره، إلا أنه أحدث ضغطا هائلا على البنية التحتية المنهارة أصلا ..

كما شهدت الحوطة وتبن هجرة واسعة من مديريات لحج الجبلية نتيجة انعدام الخدمات في الجبال، مما خلق تداخلا اجتماعيا جديدا غيّر من طبيعة المجتمع اللحجي المدني والزراعي وأصبح هامشيا إلى حدٍ ملحوظ ..

إن ​المفارقة السياسية الأكثر إيلاما هي أن أبناء لحج (أهل الدلتا والحوطة وتبن) الذين قادوا التنوير والثقافة والإدارة والدبلوماسية في جنوب الجزيرة العربية، والذين واجهوا تاريخيا أعتى الصراعات لحماية أرضهم، باتوا اليوم بلا ثقل سياسي حقيقي !!

​لقد تضاءل تمثيلهم بشكل مخيف حتى في إطار “السلطة المحلية” للمحافظة رغم تضحيات أبناءهم في الحروب العبثية التي تطل على المشهد اليمني بين الفينة والأخرى ..

​إن السؤال المشروع اليوم .. “ماذا لو عاد سلاطين لحج ؟” ليس دعوة للإرتداد إلى الماضي أو إعادة نظام حكم ولّى !بل هو سؤال مشروع في ظل المتغيرات من حولها ..

​إن عودة أحفاد السلاطين، إن حدثت على غرار يافع، لن تملك عصا سحرية لإستعادة القصور المنهوبة، أو حل نزاعات الأراضي المؤممة والمباعة، أو إعادة رسم الحدود التاريخية التي ذابت في جغرافيا الصراعات الحديثة..او حتى عودة الثقل السياسي لأبناءها ..

لكنها قد تصبح “رافعة معنوية” لإعادة الاعتبار للهوية اللحجية المسلوبة، وكسر حالة التهميش الحالية.. هي دعوة لمصالحة تاريخية تعيد للحج وقارها، ولتبن خضرته، ولأبناء المحروسة صوتهم الذي خفت في زحام البنادق والركض خلف أسوار صراعات الزمن التي حدّت من تأثيرهم بل و تواجدهم… فهل يعتذر الحاضر للحج، أم سيبقى حالها على ما هو عليه ..؟