أخبار الجنوبأخبار المحافظاتأخبار لحج

بين التكريم والاستعراض.. هل خرجت حفلات المدارس الأهلية عن رسالتها التربوية؟

بين التكريم والاستعراض.. هل خرجت حفلات المدارس الأهلية عن رسالتها التربوية؟

Img 20260520 Wa0066

لحج – مكسيم ثابت

شهدت مدارس مديرية تبن خلال السنوات الأخيرة، كما هو الحال في عدد من المناطق، تصاعدا ملحوظا في حفلات تكريم أوائل الطلاب التي تنظمها المدارس الأهلية، حتى تحولت بعض هذه الفعاليات إلى مناسبات تُقام في قاعات فخمة وبتكاليف مالية كبيرة، تتجاوز أحيانا البعد التربوي الذي أُنشئت من أجله.

ورغم أن ثقافة التكريم تُعد إحدى الوسائل الإيجابية في تعزيز الدافعية لدى الطلاب وتشجيع التفوق، إلا أن اتساع حجم هذه الاحتفالات وطبيعة الإنفاق المصاحب لها فتحا بابا واسعا للنقاش المجتمعي حول الهدف الحقيقي منها، وما إذا كانت لا تزال تؤدي دورها التربوي، أم أنها تحولت تدريجياً إلى أدوات للتسويق والمنافسة الاستعراضية بين المدارس.

فمن جهة، يرى مؤيدو هذه الفعاليات أنها تمنح الطالب شعورا بالتقدير المعنوي، وتعزز روح التنافس الإيجابي، كما تسهم في توطيد العلاقة بين المدرسة والأسرة والمجتمع، وتخلق بيئة تشجع على الاجتهاد والتميز.

لكن في المقابل، يعتقد كثير من التربويين وأولياء الأمور أن بعض المدارس تجاوزت حدود التكريم التربوي إلى حالة من الاستعراض الإعلامي، حيث أصبح التنافس يتمحور حول فخامة القاعات، وحجم الحضور، وكثافة التغطية الإعلامية، بدلا من التركيز على جودة التعليم ومستوى التحصيل العلمي الحقيقي للطلاب.

*تساؤلات يفرضها الواقع*

أمام هذا المشهد، تبرز جملة من التساؤلات التي يراها المجتمع مشروعة وتستحق توضيحات شفافة، أبرزها:

1. هل تُموَّل هذه الحفلات من ميزانيات المدارس وأرباحها الخاصة، أم أن تكلفتها تُحمَّل بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أولياء الأمور عبر الرسوم الدراسية؟

2. ما مدى إشراف مكتب التربية والتعليم بالمحافظة على طبيعة هذه الفعاليات؟ وهل توجد ضوابط تربوية وإدارية تنظم محتواها وحجم الإنفاق عليها؟

3. هل حضور بعض المسؤولين التربويين يأتي في إطار الدعم المعنوي للعملية التعليمية فقط، أم أن هناك أبعادا أخرى ترتبط بالمجاملات أو المصالح المتبادلة؟

*جوهر التنافس الحقيقي*

الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن قيمة أي مؤسسة تعليمية لا تُقاس بحجم الاحتفال الذي تنظمه، بل بمستوى مخرجاتها التعليمية والتربوية، وبقدرتها على صناعة طالب يمتلك المعرفة والوعي والانضباط والقيم.

فالمدرسة الناجحة ليست تلك التي تكتفي بوضع الطالب على منصة التكريم لساعات، بل التي تترك أثرا حقيقيا في شخصيته ومستواه العلمي والسلوكي، وتصنع جيلا قادرا على مواجهة تحديات المستقبل.

ومن هنا، يرى كثيرون أن الأولى بالمدارس الأهلية توجيه جانب من هذه المبالغ نحو مشاريع أكثر تأثيراً واستدامة، مثل:

١. تطوير المعامل العلمية والتقنية.

٢. دعم الأنشطة الثقافية والفنية والإبداعية.

٣. تنظيم المسابقات البحثية والابتكارية.

٤. تأهيل المعلمين ورفع كفاءتهم المهنية.

٥. رعاية الطلاب الموهوبين والمتعثرين دراسياً.

٦. تعزيز القيم والأخلاق والسلوك الإيجابي داخل البيئة التعليمية.

فحين يكون الاستثمار في بناء الطالب وتنمية قدراته، يصبح التنافس بين المدارس تنافسا حقيقياً يخدم التعليم والمجتمع، لا مجرد سباق موسمي للمظاهر.

*مفارقة لافتة*

المفارقة التي تستحق التوقف أن مكتب التربية والتعليم في المحافظة ينتظر أحيانا أشهرا للحصول على دعم لتكريم أوائل الثانوية العامة، في حين تنظم بعض المدارس الخاصة حفلات لطلاب المراحل الأساسية بميزانيات ضخمة قد توازي أو تتجاوز تكلفة تلك الاحتفالات الرسمية.

وهو ما يدفع المجتمع إلى طرح سؤال جوهري:

*هل أصبحت المظاهر تتقدم على جوهر العملية التعليمية؟*

*كلمة أخيرة*

يبقى التكريم سلوكا تربويا إيجابياً حين يكون هدفه الحقيقي بناء جيل متفوق علميا وأخلاقيا، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى وسيلة للاستعراض الإعلامي أو التفاخر التجاري بين المؤسسات التعليمية.

فالمطلوب ليس إلغاء الاحتفال بالنجاح، بل إعادة توجيهه ليكون أكثر توازناً وارتباطاً برسالة التعليم الحقيقية، بحيث تصبح المدرسة مصدر فخر بسبب جودة طلابها وتميزهم العلمي والأخلاقي، لا بسبب فخامة القاعة وعدد الكاميرات.

فالتعليم رسالة قبل أن يكون استثماراً، والطالب مشروع بناء إنساني، لا مجرد صورة تُعرض في مناسبة عابرة.