من الجغرافيا إلى اداره المسارات:هل يمنح موقع اليمن القدرة على حماية مسارات الإمداد الإقليمية؟

لحج الغد / تحليل: علاء توفيق
“القوة الاقتصادية للدول، ترتبط بقدرتها على إدارة التجارة و الطاقة عبر الممرات الرئيسية، بما فيها مضيقي هرمز وباب المندب، والبحر الأحمر وقناة السويس. المواجهة بين إيران وإسرائيل ترفع التهديدات على الشحن البحري، وتزيد من تكاليف التأمين على الأسواق المحلية و العالمية، أكثر من أي توقف للشحن أو تصدير المواد الخام . كما أن الدول التي لديها خطط استجابة طارئه، بأمكانها أن تستثمر ذلك في تشغيل موانئ جدة وعدن والمكلا والمهره، لتصبح قادرة على استمرار الحركة التجارية في اليمن ودول الخليج، حتى وان هناك أي اضطراب في هرمز وباب المندب. أن تعزيز الاستثمارات الخليجية في الشحن والتأمين يمنح اليمن ودول المنطقة، قدرة أكبر على التعامل مع التحديات الإقليميه و حمايه استقرارها الاقتصادي”.
تتجه التجارة الدولية والنظام الاقتصادي العالمي في الشرق الأوسط نحو مرحلة عالية الاضطرابات، بفعل ارتفاع مستوى التوتر والمواجهة بين إسرائيل وامريكا من جهه، وإيران وحلفائها من جهة أخرى. ومع توقع أكثر احتماليه لتوسع المواجهة، ما سيؤثر على الممرات الدولية والاقتصاد العالمي، من مضيق هرمز إلى باب المندب مرورا بالبحر الأحمر وقناة السويس. والتي تعتبر شرائين حياة بالنسبة للتجارة الدولية. حوالي 43% من النفط الخام يمر عبر مضيق هرمز، فيما يعبر نحو 10% من التجارة العالمية عبر مضيق باب المندب، أي ما يعادل أكثر من 3 ملايين برميل نفط يوميا تقريبا حسب تقارير البنك الدولي، ووفق بيانات الهيئة العامة لقناة السويس فإنها تستوعب ما بين 12% و15% من إجمالي حركة التجارة العالمية العابرة إلى الأسواق الأوروبية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في هذه الممرات ينعكس فورا على الاسواق الدولية.
ويتضح ان قدرة السيطرة على الموارد وحدها غير كافية، بقدر ما أصبحت القدرة على إدارة التدفقات هي معيار القوة الاقتصادية. يظهر ذلك من خلال أدوات التشغيل كالتأمين البحري، والتمويل والشحن، التي تهيمن عليها شركات أوروبية بنسبة عالية، ما يضع الدول الآسيوية والخليجية أمام تحدي في تطوير قدراتها الذاتية لتأمين استمرارية التجارة. وتشير قائمة مخاطر التأمين البحري إلى أن متوسط تكلفة التأمين على شحنات النفط عبر البحر الأحمر ارتفعت بنسبة تتجاوز 35% خلال فترات التوتر في منطقة الشرق الاوسط، فيما وصلت تكلفة التأمين على الشحنات عبر مضيق هرمز إلى أكثر من 45 % خلال فترات توتر سابقة ، ما يؤثر مباشرة على قرارات شركات الشحن والبنوك العاملة في تغطية التمويل البحري.
التهديدات لا تقتصر على اغلاق الممرات أو السيطرة على الموارد، وانما استهداف بيئة التشغيل المحيطة بها، التي قد تؤدي الى ارتفاع كلفة التأمين من خلال رفع مستوى الخطر إلى حد دفع شركات الشحن والتأمين البحري للانسحاب وتغيير مساراتها. في هذا الإطار ادت هجمات الحوثيين في وقت سابق، على السفن في البحر الاحمر في فترة سابقة إلى اعادة توجيه اكثر من 12% السفن إلى مسارات اخرى غير البحر الاحمر، وفق تقرير الوكالة العالمية للطاقة، مما رفع التكاليف، وزيادة زمن النقل بمعدل اسبوع لكل رحلة، وهو ما يوضح أن تعطيل التدفقات يمكن أن يحدث دون اعلان اغلاق رسمي للممرات.
تعكس هذه التوجهات أيضا المرونة في اعاده توجيه الشحنات الكبيرة، كما حدث مع شحنة توربينات الرياح السعودية، التي وصلت وكانت رحلة استثنائية بعد تغيير وجهة وصولها ، هذا التعديل بالمسار يعكس قدرة شركات النقل على التكيف ويؤكد أن استمرار التدفقات لا يعتمد فقط على الممرات، بقدر الاعتماد على كفاءة إدارة النقل والقدرة على التعامل مع الطوارئ.
هذا يشير إلى ان أهمية ودور التأمين البحري يتجاوز كونه خدمة ضمن عملية الشحن الدولي، ليصبح عامل أساسي حركة التجارة الدولية، ويكشف غياب التغطية البنكية للتأمين، أو ارتفاع كلفتها ينعكس فورا على قرارات شركات الشحن والموانئ، وكذلك على قدرة البنوك نفسها لتقديم التمويل، لأن عملية إعادة التأمين هو من يحدد نطاق التغطية، التي تتحكم في تحديد سعر الخطورة.
تندمج الأبعاد الاقتصادية و الجيوسياسية بشكل مباشر، حيث تشكل أي توسع المواجهة بين إيران ووكلائها وإسرائيل في هرمز و باب المندب معيار لقدرة النظام الاقتصادي الدولي على الصمود. دوما تستند إدارة التدفقات في التعامل مع جميع عناصر التشغيل كحزمة واحدة، تشمل التأمين والشحن والموانئ والتمويل والمدفوعات، بحيث يؤدي أي خلل في أحد هذه العناصر التأثير على النظام، ما يوضح أهمية الربط بين القدرة والتخطيط في الاستجابة الطارئة .
في على مستوى اليمن، مثلا يشكل باب المندب نقطة مهمة في الملاحة والشحن البحري، إذ يمكن لأي تصعيد في المضيق أن ينعكس تلقائيا على الأسعار المحلية ونقص مخزون الاحتياطي للسلع، مع تأثير مباشر على الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بشكل شبة كلي على الاستيراد، و تصل نسبة الواردات إلى الى اليمن 90% تقريبا وفق تقرير البنك الدولي لعام 2022. لذا ضرورة تعزيز القدرات الإقليمية والاستثمار الخليجي تحديدا في الشحن والتأمين وإعادة التأمين، وتطوير موانئ بالمنطقة وضمنها اليمن لتصبح لديها قدرة استيعاب عالية، تسهل عملية سلاسل الإمداد، يمثل ذلك خطوة لخفض نسبة التأثير المباشر للتوترات الإقليمية على الأسواق المحلية والدولية. في هذا الاطار، تصبح الحاجة لبناء قدرات إقليمية تمكن الدول الآسيوية والخليجية من تقليل اعتمادها على المنظومات الغربية في التأمين والشحن، حيث أن شركات التأمين البحري هي المستفيد الأول في مناطق التوترات كما هو حال التصعيد الحالي بالمنطقة. وتشير بيانات الطاقة الامريكيه، إلى أن أي تعطيل لحركة النفط في مضيق هرمز لمدة أسبوعين سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة تتراوح بين 8 و15 % ما يوضح الاهمية لهذه الممرات.
وهنا يظهر ما يمكن أن نسميه التحول من “الجغرافيا إلى التشغيل” حيث لم يصبح العامل الجغرافي احد المحددات لإدارة التجارة، وكذلك قدرة الأطراف على تشغيل حركة التجارة. يُعد هذا التحول في أساسيات إدارة التجارة العالمية عامل أساسي في تحديد مركز القوة الاقتصادية، حيث يمكن لأي ادارة ناجحة للتدفقات أن تحد من آثار الاضطرابات في الممرات الحيوية في المنطقة، حتى لو بقيت الممرات نفسها مفتوحة أو مغلقة.
وفي هذا السياق، تظهر أهمية دور دول الخليج واليمن كمحاور استراتيجية في إدارة هذه التدفقات، خاصة عبر الموانئ الحيوية مثل جدة وعدن والمكلا والمهرة، التي يمكنها أن تعمل كبدائل تشغيلية في حال تعطل الممرات مثل مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس. تعزيز الاستثمارات في الشحن والتأمين في هذه المناطق يوفّر قدرة أكبر على إدارة التهديدات وتقليل تأثير الاضطرابات على الاقتصاد الدولي.
بناء على ذلك، فان الدول التي تملك القدرة على إدارة مسار التجارة بشكل مرن، بما في ذلك إعادة تحويل مسار الشحنات والتعامل بخطط استجابة طارئة، ستكون الأكثر قدرة على مواجهة الاضطرابات في المضائق البحرية. وفي بيئة كالشرق الاوسط، فيها احتمالات مرتفعة بالتصعيد طويل الأمد بين إيران وإسرائيل، مع تعدد الوكلاء و أدوات التأثير غير المباشر، تصبح القدرة على إبقاء حركة سلاسل الامداد والتجارة مستمرة تحت الضغط معيار للقوة الاقتصادية والاستقرار الإقليمي والعالمي.



