
25 مارس 2026
*أنسام عبدالله*
لم يكن المشهد اليوم في مبنى “محافظة لحج” عاديا..أو مجرد إجراء بروتوكولي لتسلم المحافظ المعيّن بقرار جمهوري، الأستاذ “مراد الحالمي” لمهام عمله، بحضور تلك النخبة من أبرز القيادات العسكرية والأمنية والمدنية؛ بل كان مشهدا يحمل في طياته تأصيلا عميقا لمبدأ الأخوة والتعاضد في زمن السلم بين أبناء لحج، أولئك الذين خبروا خنادق الحرب معا وافترشوا تراب الحدود دفاعا عن كرامة هذا الوطن..
لقد تجلى هذا الوئام بأبهى صوره في روح التوافق والمسؤولية التي جمعت بين الفريق محمود الصبيحي والمحافظ الحالمي، حيث بدا التناغم بين جيل القيادة العسكرية الرزينة والإدارة المدنية الطموحة كرسالة طمأنينة تثبت أن لحج هي الحاضنة الحقيقية للمشروع الجنوبي، وفق رؤى قادتها المخضرمين الذين نثق بحكمتهم وقدرتهم على قراءة الواقع المعقد وتجاوز عثراته !
ومن هنا، يستغرب الكثير من “رواد مواقع التواصل الاجتماعي”، ولا سيما “حديثي السن” منهم، أسباب إيكال المهام العسكرية الجسيمة مؤخرا..وبقرارات سيادية إلى قيادات تنتمي لهذه المحافظة الأبية، ولماذا تنفرد لحج بتمثيل استثنائي في هرم السلطة الرئاسية، بعضوي مجلس رئاسة من أبناءها وليس عضو مثل باقي المحافظات المختارة !..غافلين عن حقيقة تاريخية وجغرافية لا تقبل الجدل؛ فلحج التي سماها القادة السابقون “خاصرة اليمن”، هي الركيزة التي إذا ما طُعنت انهار الجسد كله، وضاع الوطن في أتون الشتات..
لمن لا يقرأ التاريخ بإنصاف، فإن لحج هي التي كانت وما زالت تتقدم الصفوف؛ فمنذ حروب صعدة الستة، سالت دماء شبابها الغالية من كل المناطق على قمم الجبال الوعرة هناك، مسطرة ملاحم بطولية في مواجهة المد المليشي الحوثي والمسلح..
حيث كان للقائد الفذ “جواس” رحمه الله افضلية القضاء على رأس الفتنة الأول..ولم تتوقف تلك التضحيات عند حد، بل امتدت لتشمل جبهات التحرير في كل شبر من المحافظات الحدودية، حيث ارتقى آلاف الشهداء من أبناء لحج وهم يذودون عن حياض الوطن والجمهورية ، ويصدون براثن المليشيات الحوثية في معارك لم تهدأ نيرانها..
إن المحافظة التي تفاخر بشجعانها في أحلك الظروف، هي ذاتها التي تفاخر بقادتها العقلانيين حين تلوح في الأفق بوادر السلم، حقنا للدماء الجنوبيّة الغالية التي استُنزفت طويلا.. لقد شبع الناس في هذا الوطن من الجوع، وزهدوا في وعود الرفاه الزائفة، حتى بات أقصى أملهم هو الإجماع الوطني الذي يحمي الجنوب من الضياع في دهاليز “اللاهوت السياسي” والصراعات العبثية.
إن الأيام دول، والفرص لا تتكرر، ودولا كانت أعظم منا تاريخا ومقدرات جنحت للسلم وآثرت العقلانية، لا عن ضعف، بل استباقا لمستقبل يستحقه أبناؤها وتماشيا مع واقع سياسي يفرض نفسه..
ومن هذا المنطلق، فإن التطاول على شخص “الفريق محمود الصبيحي” هو أمر مرفوض جملة وتفصيلا؛ فهذا الرجل العسكري الصلب لم يُؤسر في غرف الفنادق، بل سقط أسيرا في قلب ميدان الحرب وهو يرفض ترك موقعه حين كان الانسحاب متاحا.
لقد عاد الفريق الصبيحي بقرار أممي، مرفوع الرأس، ليبقى رمزا للثبات والحكمة.. لذا، وجب علينا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أن نحترم قادتنا ونكف عن إثارة خطاب الكراهية والتخوين، فنحن أبناء محافظة واحدة ومصير مشترك.
إن احترام الرموز الوطنية التي ترى في الدولة ومؤسساتها المعترف بها دوليا صمام أمان هو قمة العقلانية السياسية، وهو الطريق الوحيد الذي يضمن ألا تذهب تضحيات آلاف الشهداء سدى، ولعل مشهد التوافق والانسجام بين الصبيحي والحالمي اليوم هو التأكيد العملي على أن لحج ستبقى هي الصخرة التي تتحطم عليها كل محاولات تمزيق النسيج الوطني، والمحرك الأساسي لمشروع جنوبي “مستقبلي” قائم على الحوار بين أبنائه.. و يمضي بوعي قادته نحو بر الأمان.



