لحج.. جدار الصمود وذاكرة المستحيل

14 مارس 2026
أنسام عبدالله
في تلك اللحظات الفارقة والأيام المشهودة من تاريخ لحج الحبيبة، حين خيمت سحب الوجع وتوالت الأخبار المفجعة بدلوف قطعان الحوثة إلى التخوم في حرب العام 2015م، استنفرت القلوب قبل الأبدان، وبين هارب إلى الجبال ونازح يشد الرحال نحو عدن يسابقون الساعات فراراً من غرباء معتدين ممن “لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة”، برزت معادن الرجال الحقيقية.
إلا هم.. مشاعل النور في عتمة الحرب، وسراج الدجى حين ادلهمّ الخطب، خيرة شباب الحوطة وتبن الذين وقفوا كالجبال الراسيات يذودون عن حمى لحج كما تذود الأسود عن غاباتها، رجال لم يزاحمهم في ملاحم البطولة أحد، لم ترهبهم الآلة العسكرية ولم تكسرهم قلة الخبرة، بل إن منهم من أمسك السلاح لأول مرة في حياته فثبت ثبات الأنبياء، وخط بدمه للرجولة شرعةً ومنهاجاً لا يحيد عنها إلا خائن ..
وتزامناً مع احتفالات شعبنا بنسائم النصر وطرد المليشيات الباغية في هذه الأيام المباركة، كان لزاماً علينا أن نفتش في ثنايا لوحة العز والشرف، تلك اللوحة التي كانت في قلب الحوطة منبراً يشرق بصور الأطهار قبل أن يتم إنزالها للأسف ….! لتظل دوماً علماً ورمزاً يهمس في آذاننا بأن الأيدي يجب ألا تفلت الزناد، وأن العيون يجب أن تظل شاخصة صوب الحدود، فالمعتدي غادر لا يؤمن.
ومن بين تلك الأقمار التي غابت لتضيء لنا دروب الحرية، يبرز اسم الشهيد البطل *أحمد نجيب*، ذلك الشاب الذي ولد في عام 1992م وكان طالباً يطمح للمستقبل في كلية التربية قسم الكمبيوتر، لكنه حين نادى المنادي ترك القلم وحمل البندقية، فاستشهد مقبلاً غير مدبر في مواجهة مباشرة بجانب محل الخردة بحارة *مساوى*، ليرحل تاركاً خلفه سيرة عطرة يشهد بها القاصي والداني وأخلاقاً يفتخر بها كل مواطن في الحوطة.
فسلامٌ على أحمد نجيب، ذاك الشاب الذي غادر مقاعد الدراسة ليدوّن في دفتر المجد أطروحته الأخيرة بمداد الدم القاني، فما كانت حارة مساوى لتنسى وقع خطاه، ولا جنبات محل الخردة إلا شاهدةً على جسدٍ تهاوى لكي تظل هامة لحج شامخةً في أعالي السماء، رحل أحمد .. وترك خلفه عبقاً لا يزول، وذكراً يُتلى كلما مرّت نسمةٌ باردة على بيوت الحوطة، ليخبرنا أن الأعمار لا تُقاس بالسنين، بل بمواقف الرجال الذين يشرون الجنة بأرواحهم حين يعزّ النصير، فنامي يا روح أحمد قريرة العين، فقد نبتت من دمائك رياحين النصر، وصرتِ في ذاكرة لحج حكايةً لا ينال منها الغياب، هو والكثير والكثير من شهدائنا الأبرار الذين تزينت اللوحة بصورهم وارتوت تربة الحوطة بدمائهم الزكية، لم يكونوا يوماً إلا رجالاً بحق، تفتخر بهم لحج وببطولاتهم المشرفة التي ستظل محفورة في وجدان الزمن، فحمى الله لحج من كل شر، ورحم الله شهداءنا وأسكنهم فسيح جناته.


