أخبار المحافظات

مركز الدراسات اليمنية الخليجية… من الشعارات إلى خطط اندماج واقعية

مركز الدراسات اليمنية الخليجية… من الشعارات إلى خطط اندماج واقعية

د. أحمد بن إسحاق

لم يعد اندماج اليمن في مجلس التعاون فكرة عاطفية أو مطالبا مرحلية، بل هدفا استراتيجيا يتكرر في خطاب القيادة اليمنية ممثلة بـ رشاد العليمي، كما انعكس بوضوح في طرح عبد العزيز العويشق حول المسارات الأربعة: السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي. ويتقاطع ذلك مع ما طرحه الأمير تركي الفيصل بشأن توسعة مجلس التعاون وضم اليمن، انطلاقا من قناعة أن استقرار اليمن جزء لا يتجزأ من استقرار الخليج وأمنه الاستراتيجي. غير أن الإرادة السياسية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها؛ فهي تحتاج إلى إطار علمي يحولها إلى برنامج قابل للتنفيذ والقياس.

من هنا تبرز ضرورة إنشاء “مركز الدراسات اليمنية الخليجية” كمنصة متخصصة تتولى هندسة هذا المسار. فخطة 2006 للاندماج، رغم نجاح مرحلتها الأولى، افتقدت جهازا بحثيا يراكم المعرفة ويتابع التنفيذ ويحصّن المشروع من الارتداد عند الأزمات. لو كانت هناك مؤسسة كهذه منذ اتفاقية 2002، لكانت مواءمة القوانين والاقتصاد قطعت شوطا أعمق ولما تعطّل المشروع بفعل الحرب.

الاندماج ليس انضماما شكليا، بل إعادة تعريف لدور اليمن والمصالح المشتركة. مجلس التعاون لا يكسب عمقا أمنيا وبحريا يمتد إلى باب المندب فحسب، بل يفتح آفاقا اقتصادية جديدة في الموانئ والخدمات اللوجستية والطاقة والثروات البحرية، في مرحلة تبحث فيها دول الخليج عن روافد ما بعد النفط وتنويع مصادر الدخل. واليمن، في المقابل، ينتقل من اقتصاد الإغاثة إلى اقتصاد الشراكة والاستثمار. إنها معادلة تنموية متبادلة لا تختزل في الأمن، بل تقوم على تكامل اقتصادي محسوب.

إمكانية البدء بالمناطق الخاضعة للحكومة تمثل فرصة عملية لنموذج اندماج مرحلي قابل للقياس: تكامل جمركي في الموانئ، مواءمة مصرفية تدريجية، ومناطق اقتصادية مرتبطة بالسوق الخليجية، مع تطوير المنطقة الحرة وربط عدن بالقرن الإفريقي كمحور تجاري واعد. نجاح نموذج واحد سيمنح المسار مصداقية سياسية واقتصادية ويدفع نحو التوسع.

أما البعد الأمني فلا يُختزل في مكافحة الإرهاب؛ فالتطرف غالبا نتاج هشاشة اقتصادية وفراغ مؤسسي. كل استثمار منظم في البنية التحتية وفرص العمل يضيق مساحات التطرف ويعزز الاستقرار، ودعم القدرات البحرية يخدم أمن الملاحة ويغلق منافذ التهريب؛ فالتنمية والأمن مساران متلازمان.

والبعد الاجتماعي عنصر قوة غير مستثمر بما يكفي. الروابط التاريخية والإنسانية بين اليمن ودول الخليج تمنح مشروع الاندماج أساسا طبيعيا، ويمكن تنظيم حركة العمالة والتبادل الأكاديمي بما يحول التكامل إلى واقع منظم يخدم الطرفين.

في عالم يتجه نحو تكتلات أكثر صلابة وتنافس محتدم على الممرات البحرية والقرن الإفريقي، يصبح إدماج اليمن ضمن رؤية خليجية موحدة استثمارا استراتيجيا في الأمن والتنمية معا. اليمن ليس عبئا جيوسياسيا، بل قيمة مضافة إذا أُحسن توظيف موقعه وموارده ضمن منظومة منظمة.

“مركز الدراسات اليمنية الخليجية” الذي نحن بصدد تأسيسه يجب أن يكون غرفة تفكير استراتيجية تبني قاعدة بيانات مشتركة، وتقيس الجاهزية القطاعية، وتضع سيناريوهات زمنية واضحة، وتقدم لصانع القرار خيارات مبنية على أرقام لا على انطباعات. بهذه الطريقة يتحول الاندماج من شعار سياسي إلى خطة تنفيذية واقعية.

الفرصة متاحة، والإرادة السياسية بدأت تتشكل. وما ينقص المسار ليس الرغبة، بل المؤسسة القادرة على تحويلها إلى واقع. ومن دون إطار علمي منظم ستظل الفكرة عنوانا جاذبا، أما حين تُدار بعقل بحثي مسؤول فستتحول إلى مشروع مستدام يخدم اليمن والخليج معا.