لا أمن بلا شرعية… ولا شرعية بلا رقابة

لا أمن بلا شرعية… ولا شرعية بلا رقابة
د. احمد بن إسحاق
في اللحظات الانتقالية من تاريخ الدول، يكثر السؤال الذي يبدو بسيطا في ظاهره عميقا في جوهره: هل نبدأ بالأمن أم بالمؤسسات؟ هل الأولوية لفرض الاستقرار أم لاستعادة الرقابة الدستورية؟ غير أن التجربة السياسية الرصينة تُعلّمنا أن طرح السؤال بهذه الثنائية قد يكون مضلِّلا؛ فالدولة لا تُبنى بخيارٍ واحد، بل بمنظومةٍ متكاملة تكمل عناصرها بعضها من بعض.
الأمن ضرورة لا جدال فيها. فلا يمكن لمؤسسة أن تعمل في بيئة مضطربة، ولا يمكن لبرلمان أن ينعقد أو لمجالس محلية أن تؤدي دورها في ظل انفلات أو تعدد مرجعيات القوة.
الحد الأدنى من الاستقرار شرطٌ تشغيلي، يؤمّن المقرات، ويحمي المسؤولين، ويضبط المجال العام. لكن هذا الحد الأدنى، مهما كان مهما، لا يكفي وحده لبناء دولة مستقرة.
الأمن الذي لا يستند إلى شرعية يتحول إلى إدارة أزمة لا إلى تأسيس استقرار. وقد ينجح مؤقتا في فرض النظام، لكنه لا ينجح في ترسيخ الطمأنينة. فالطمأنينة تنبع من شعور المواطن بأن السلطة خاضعة لقواعد، وأن القرار العام ليس مطلقا بل محكومٌ برقابة ومساءلة.
هنا تتقدم مسألة استعادة المؤسسات الرقابية إلى واجهة النقاش، لا بوصفها ترفا دستوريا، بل باعتبارها صمام أمان سياسيا وأمنيا في آن واحد. إن تفعيل دور البرلمان، وإعادة الاعتبار للمجالس المحلية، واحترام الاختصاصات المحددة في الدستور، كلها خطوات تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع من علاقة إدارة إلى علاقة تعاقد.
الإشارة إلى المادة 86 من الدستور ليست استدعاء لنص جامد، بل تذكيرٌ بروحٍ تؤكد مسؤولية الحكومة أمام ممثلي الشعب، وحق الرقابة البرلمانية على الأداء التنفيذي. حين يُفعَّل هذا المبدأ، تُفتح قنوات مؤسسية لتصحيح الأخطاء، وتُغلق في المقابل أبواب الاحتقان التي تنشأ عادة عندما تغيب المساءلة.
إن جزءا كبيرا من التوترات في البيئات الهشة لا ينتج فقط عن غياب الأمن، بل عن غياب الإحساس بوجود مرجعية عادلة للفصل في الخلافات. وعندما يشعر المواطن أن هناك آلية سلمية للمحاسبة، وأن صوته يمكن أن يُسمع داخل مؤسسة شرعية، فإن الحاجة إلى التعبير الغاضب في الشارع تتراجع، ويتحول الضغط من حالة انفجار إلى حالة نقاش.
غير أن الواقعية السياسية تقتضي الاعتراف بأن الرقابة نفسها تحتاج إلى بيئة آمنة تمكّنها من العمل. فلا يمكن لمؤسسة أن تمارس دورها تحت تهديد دائم أو في ظل فوضى مسلحة. ومن هنا فإن المعادلة الرشيدة ليست تقديم الأمن على الرقابة أو العكس، بل الجمع بينهما في مسارٍ متوازٍ: تأمين الحد الأدنى من الاستقرار، بالتوازي مع إطلاق مسار واضح ومعلن لاستعادة الدور الرقابي.
الدولة القوية ليست تلك التي تحتكر القوة فحسب، بل تلك التي تخضع قوتها لقواعد. وهي ليست التي تُحكم السيطرة على الشارع فقط، بل التي تُحكم الانضباط داخل مؤسساتها. وعندما تُعلن الحكومة التزاما صريحا بجدول زمني لتفعيل البرلمان، وتعزيز دور المجالس المحلية، واحترام النصوص الدستورية، فإنها لا تُضعف موقعها، بل تُحصّنه بشرعية أعمق.
إن استعادة الثقة الشعبية لا تتم بالشعارات، بل بالقرارات. ولا تُبنى الثقة في يومٍ وليلة، لكنها تبدأ بخطوة واضحة تقول إن السلطة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لخدمة الصالح العام ضمن إطارٍ دستوري معلوم.
في نهاية المطاف، لا يمكن فصل الأمن عن الشرعية، ولا الشرعية عن الرقابة. الأمن يخلق المساحة، والشرعية تمنح المعنى، والرقابة تحافظ على التوازن. وأي اختلال في هذه الحلقة يُضعف الدولة، مهما بدا في لحظته أنه يعززها.
لهذا فإن الإجابة على السؤال القديم ليست اختيار أحد الطرفين، بل بناء المعادلة كاملة:
لا أمن بلا شرعية… ولا شرعية بلا رقابة.



