أخبار الجنوبتقارير وتحقيقات

الضالع ترسم معادلة المرحلة: مليونية الثبات والصمود والتحدي تؤكد وحدة الإرادة الجنوبية وترفع سقف المواقف السياسية

الضالع ترسم معادلة المرحلة: مليونية الثبات والصمود والتحدي تؤكد وحدة الإرادة الجنوبية وترفع سقف المواقف السياسية

لحج الغد / تقرير: مريم بارحمة

شكّلت محافظة الضالع محطة سياسية لافتة مع احتشاد جماهيري واسع وغير مسبوق في فعالية �مليونية الثبات والصمود والتحدي�، حيث تجاوز الحدث حدود التظاهرة الشعبية التقليدية ليغدو مشهدًا سياسيًا شاملاً أعاد رسم ملامح المرحلة الراهنة، ورسّخ -كما عكسته الشعارات والهتافات والبيان الختامي – تجديد حالة التفويض الشعبي للمجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي.

هذا الحشد، الذي تزامن مع تعقيدات سياسية وأمنية تشهدها الساحة الجنوبية والإقليمية، لم يكن فعالية عابرة في سياق التعبير الجماهيري، بل بدا أقرب إلى استفتاء شعبي مفتوح أعاد التأكيد على ثوابت المشروع السياسي الجنوبي، وحدد بوضوح اتجاهات المزاج العام في الجنوب تجاه التسويات المطروحة ومستقبل العملية السياسية.

-الضالع حين تتحول الجغرافيا إلى موقف سياسي

لم يكن اختيار الضالع لاستضافة هذه المليونية صدفة سياسية. فالمحافظة التي ارتبط اسمها تاريخيًا بالمقاومة والصمود شكلت على الدوام نقطة انطلاق للتحولات الكبرى في مسار الحراك الجنوبي. ومع تدفق الحشود من مختلف مديريات المحافظة ومن بقية محافظات الجنوب، تحولت الضالع إلى مركز ثقل سياسي يعكس وحدة الاتجاه الشعبي.
امتلأت ساحة الفعالية ومحيطها بآلاف المشاركين الذين رفعوا أعلام الجنوب وصور الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، إلى جانب لافتات تضامن مع أبناء حضرموت وشبوة، في مشهد عكس تداخل البعد الجماهيري بالبعد السياسي، حيث لم تقتصر الرسائل على الداخل الجنوبي فحسب، بل امتدت لتخاطب الفاعلين الإقليميين والدوليين.

ويرى مراقبون أن حجم المشاركة يعكس انتقال قضية الجنوب من مرحلة الحراك الاحتجاجي إلى مرحلة التعبئة السياسية المنظمة، التي تسعى إلى تثبيت شرعية شعبية موازية لأي ترتيبات سياسية تُفرض خارج الإرادة المحلية.

-التفويض الشعبي إعادة تثبيت الشرعية السياسية

أحد أبرز عناوين المليونية تمثل في تجديد التفويض الشعبي للمجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه الحامل السياسي لقضية شعب الجنوب. فقد ردد المشاركون هتافات تؤكد أن بوصلة النضال الجنوبي ثابتة لا تحيد، وأن الهدف النهائي يتمثل في استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا.
هذا التفويض لم يُطرح كشعار عاطفي فقط، بل كرسالة سياسية تهدف إلى تثبيت المجلس الانتقالي الجنوبي كفاعل رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية. فالحشود الجماهيرية، في القراءة السياسية، أصبحت إحدى أدوات الشرعية في النزاعات المعقدة، خصوصًا حين تتراجع فعالية المؤسسات الرسمية.

-خطاب القيادة بين الرمزية السياسية والتعبئة الوطنية

في كلمته أمام الحشود، نقل الأستاذ وضاح الحالمي، القائم بأعمال الأمين العام لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي، تحيات الرئيس القائد الزُبيدي، مؤكدًا أن رسالة الضالع واضحة: تضحيات الشهداء والجرحى لا يمكن أن يكون ثمنها سوى دولة جنوبية حرة مستقلة.
خطاب الحالمي حمل بعدين أساسيين:  الأول تعبوي موجّه للشارع الجنوبي لتعزيز وحدة الصف، والثاني سياسي موجه للخصوم، حيث شدد على أن كل من يراهن على تفريق الجنوب بات أمام مشهد شعبي موحد خرج من عدن وحضرموت والمهرة وشبوة وأبين وسقطرى ولحج والضالع بهدف واحد هو التحرير واستعادة الدولة.
كما وجّه رسالة تقدير إلى شعب الجنوب، معتبرًا إياه القوة الحقيقية التي أعادت لقضية الجنوب وهجها، في محاولة لترسيخ العلاقة بين القيادة السياسية والقاعدة الشعبية باعتبارها أساس الشرعية.

-المؤسسة العسكرية مركز الثقل في المعادلة الجنوبية

حظيت القوات المسلحة الجنوبية والأجهزة الأمنية بحضور لافت في خطاب المليونية وبيانها الختامي، حيث وُجهت لها تحية إجلال باعتبارها الدرع الحامي للمشروع الوطني.
هذا التركيز يعكس إدراكًا سياسيًا بأن أي مشروع سياسي في الجنوب يرتكز بشكل كبير على معادلة الأمن والاستقرار، خاصة في ظل التهديدات الأمنية والإرهابية. وقد أكد البيان أن هذه القوات عصية على التطويع، وأن المساس بها يمثل تهديدًا لأمن المنطقة والملاحة الدولية، في إشارة إلى محاولة ربط الدور العسكري الجنوبي بالمصالح الدولية.

-البيان السياسي انتقال من الاحتجاج إلى فرض الواقع

البيان الختامي للمليونية حمل لغة سياسية واضحة تعكس تحولًا في الخطاب من المطالبة إلى السعي لفرض الوقائع. فقد شدد على التمسك بالبيان السياسي والإعلان الدستوري، مع الدعوة لتهيئة الظروف لفرضهما على أرض الواقع باستخدام الوسائل المتاحة.
هذا الطرح يشير إلى أن القوى الجنوبية باتت ترى أن مرحلة الانتظار السياسي قد طالت، وأن التحرك نحو تثبيت مشروعها أصبح ضرورة استراتيجية، خصوصًا في ظل ما تعتبره تجاهلًا لمطالبها في المسارات السياسية القائمة.

-رفض قرارات الرياض تصاعد غير مسبوق

أحد أكثر محاور البيان حساسية تمثل في رفض ما وصف بـ”قرارات الرياض”، واعتبار أي خطوات اتخذت في ظروف غير طبيعية غير ملزمة لشعب الجنوب.
هذا الموقف يعكس تصاعدًا في حدة الخطاب السياسي تجاه بعض الأطراف الإقليمية، ويكشف عن أزمة ثقة متنامية بين الشارع الجنوبي وبعض مسارات التسوية السياسية، خاصة مع الحديث عن ترتيبات حكومية أو سياسية لا تحظى بقبول شعبي واسع.

-وحدة الجنوب خطاب الهوية الجامعة

أكدت المليونية أن الجنوب جسد واحد يمتد من المهرة إلى باب المندب، في محاولة لتعزيز مفهوم الهوية الجنوبية السياسية الموحدة. كما أعلنت تضامنها المطلق مع أبناء حضرموت وشبوة، وأدانت قمع الاحتجاجات والاعتقالات.
هذا الخطاب يعكس سعيًا لربط الحركات الاحتجاجية في محافظات الجنوب المختلفة ضمن مشروع سياسي واحد، بما يمنع تفتيت المشهد الجنوبي إلى قضايا محلية منفصلة.

-العلاقة مع السعودية نقطة التحول الحساسة

البيان تضمن لهجة حادة تجاه ما وصفه بـ “العدوان السعودي” على القوات الجنوبية، وهو توصيف يحمل دلالات سياسية عميقة، إذ يعكس تحولًا في طبيعة الخطاب من التحفظ إلى المواجهة السياسية العلنية.
ويرى محللون أن هذه اللغة تعكس شعورًا متزايدًا لدى الشارع الجنوبي بأن بعض السياسات الإقليمية لا تنسجم مع تطلعاته، ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقات السياسية خلال المرحلة المقبلة.

-الحوار الجنوبي الجنوبي شروط جديدة للمرحلة

أكد البيان أن أي حوار جنوبي لا يمكن أن ينجح في ظل الضغوط العسكرية أو الإملاءات السياسية، مشددًا على أن الحوار الحقيقي يجب أن يقوم على الاعتراف بحق تقرير المصير.
ويشير هذا الطرح إلى محاولة إعادة صياغة قواعد التفاوض الداخلي، بحيث يصبح الحوار وسيلة لبناء شراكة حقيقية لا إطارًا لإعادة إنتاج الأزمات.

-دلالات المشهد إلى أين يتجه الجنوب؟

تكشف مليونية الضالع عن عدة مؤشرات استراتيجية:
تصاعد مستوى التعبئة الشعبية حول المجلس الانتقالي الجنوبي. وانتقال الخطاب الجنوبي من الدفاع السياسي إلى المبادرة السياسية، وتعزيز مركزية المؤسسة العسكرية في المعادلة السياسية، واتساع الفجوة بين الشارع الجنوبي وبعض مسارات التسوية الإقليمية. ومحاولة تثبيت مشروع الدولة الجنوبية كخيار نهائي غير قابل للمساومة.

-الضالع كمرآة للمرحلة القادمة

لم تكن مليونية “الثبات والصمود والتحدي” مجرد حدث جماهيري، بل بدت كإعلان سياسي واسع يعكس تحولات عميقة في المزاج الشعبي الجنوبي. فبين الشعارات والهتافات والبيان السياسي، برزت رسالة أساسية مفادها أن الجنوب يدخل مرحلة جديدة يسعى فيها إلى تحويل الإرادة الشعبية إلى واقع سياسي ملموس.

وبينما يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، فإن ما جرى في الضالع يؤكد أن قضية شعب الجنوب ما تزال حاضرة بقوة في معادلة المنطقة، وأن الشارع الجنوبي بات لاعبًا رئيسيًا في رسم ملامح المرحلة القادمة، رافعًا شعارًا واحدًا: الثبات حتى تحقيق الهدف السياسي الكامل باستعادة الدولة.