في يومٍ ليس ككل الأيام، وفي لحظةٍ فارقةٍ من تاريخ الجنوب العربي، انحنى التاريخُ إجلالاً لزئير الحشود التي لم تعرف المستحيل. يوم الجمعة، السادس عشر من يناير 2026، لم تكن مجرد تظاهرة، بل كانت “قيامةً شعبية” زلزلت الأرض تحت أقدام المراهنين على كسر إرادة هذا الشعب، وأعلنت للعالم أجمع أن “المجلس الانتقالي الجنوبي” ليس مجرد كيان سياسي، بل هو نبضُ أمةٍ وجسدُ وطن.
ما حدث بالأمس كان إعجازاً في لغة النضال؛ فأن يحتشد الجنوبيون في يوم “جمعة” – وهو يوم السكينة والاجتماع العائلي – بعد خمسة أيام فقط من مليونية كبرى سابقة، لهو الدليل القاطع على أن المخزون الثوري لهذا الشعب لا ينضب. ورغم وطأة الظروف المعيشية القاسية، ومرارة الأزمات الاقتصادية التي تحاصر الرغيف، خرج الناس صياماً عن الصمت، جياعاً إلى الحرية، ليثبتوا أن الكرامة الوطنية لدى الجنوبي أغلى من الخبز، وأن الالتفاف حول الرئيس القائد عيدروس الزبيدي هو عهدٌ لا تقوى عليه الرياح العاتية.
ولهذا فقد صدحت الحناجر في الساحات، معلنةً التمسك المطلق بالبيان الدستوري التاريخي الذي أعلنه الرئيس الزبيدي. لقد أكد المحتشدون بوضوح لا لبس فيه، أن المجلس الانتقالي وُلد من رحم التفويض الشعبي، ومن معمدات الميادين، ومن تضحيات الشهداء؛ لذا فهو كيانٌ عصيٌ على الحل أو التهميش. إن شرعية المجلس ليست “هبةً” من عاصمة خارجية، بل هي صكٌّ وطني وقعه الشعب بالدم، ولا تملك أي قوة في الأرض حق إلغائه أو تجاوزه، فهو الممثل الشرعي الوحيد لاستعادة الدولة وتحقيق السيادة.
كما لم تغب عن وجدان الملايين قضية “وفد المجلس الانتقالي” المحجوز في الرياض. كانت الهتافات تطالب بفك أسر رجالات الجنوب الذين ذهبوا للحوار فعوملوا بغير ما تقتضيه أعراف الدبلوماسية أو أخلاق الحلفاء. هذا الاحتجاز لم يزد الشعب إلا إصراراً، ولم يزد القادة إلا شموخاً، محولاً الصمت السياسي إلى غضب شعبي عارم يرفض سياسة “ليّ الأذرع”.
لقد وضعت هذه المليونية المملكة العربية السعودية أمام استحقاق الحقيقة المرة. فبينما كانت المملكة حليفاً يُستقبل بالترحاب، أدت السياسات الأخيرة والمحاولات اليائسة لفرض “شرعية الإخوان” بقوة القصف الجوي إلى شرخ عميق في الوجدان الجنوبي. إن تلك الغارات التي انهمرت على قوات المجلس الانتقالي – القوة الحقيقية التي دحرت المشروع الحوثي واجتثت الإرهاب – خلّفت جراحاً لا تندمل، ومئات الشهداء الذين سقطوا بنيران من كان يُفترض أنهم “أشقاء”.
اليوم، تجد الرياض نفسها في مأزق سياسي وأخلاقي؛ فقد خسرت “الحليف المخلص” على الأرض مقابل المراهنة على أدوات الفشل. إن الشرعية الحقيقية هي التي وقفت بالأمس في ساحات عدن، وليس تلك التي تُصنع في أروقة الفنادق.
إن رسالة الجمعة العظيمة كانت بليغة في بساطتها، مرعبة في قوتها: “نحن الشعب.. نحن القرار”. لقد أثبت شعب الجنوب أن ميزان القوى لا يميل بآلة الحرب أو الضغط السياسي، بل بمقدار الإيمان بالقضية. والمجلس الانتقالي، برئاسة القائد عيدروس الزبيدي، يظل هو الحصن المنيع، والكلمة الفصل، والصوت الذي لا يُبح في سبيل استعادة الدولة.