أخبار الجنوبتقارير وتحقيقات

سياسة في الرياض وعمل على الأرض.. الانتقالي أمام مهمة بناء الدولة قبل إعلانها

> المراقب السياسي:

  • بين الدعم والاعتراف.. كيف تؤسس العلاقات الدولية لدولة جنوبية معترف بها؟
  • العدالة والتعليم والأمن طريق الجنوب لبناء دولة قادرة على البقاء
  • معركة الاقتصاد.. الجبهة المنسية في مشروع استعادة دولة الجنوب

>تتواصل المتغيرات المتسارعة في المشهد اليمني، وفي مقدمتها الانتصارات العسكرية الكبيرة التي حققتها القوات الجنوبية في حضرموت ومناطق أخرى. هذه التطورات لم تعد مجرد تقدم ميداني، بل أصبحت نقطة تحول حقيقية تفرض على المجلس الانتقالي الجنوبي الانتقال من مرحلة السيطرة الأمنية إلى مرحلة تأسيس الدولة. فالجنوب اليوم يمتلك القدرة، والشرعية الشعبية، والظرف السياسي الملائم لبدء مشروع وطني شامل لا يقف عند حدود الدفاع بل يبني مؤسسات قادرة على الاستمرار.

وبينما يراوغ السياسيون في الرياض حول صيغة مناسبة على المجلس الانتقالي أن يراوغ ويلعب لعبة السياسة بينما يقوم ببناء الدولة في الداخل بهدوء وبدون ضجيج فبناء الدولة هو ما سيحسم موضوع استقلال الجنوب.

أما ما يدور في الرياض فهو مثل كل ما مضى من اتفاقات ومشاورات. جعجعة بلا طحين فلن تحل الأزمة السياسية ولن تحسم الحرب في الرياض أو أي مكان خارج البلاد.

سياسيًّا: لم يعد لحزب الإصلاح، الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، ذلك الوزن الذي كان يتمتع به في سنوات سابقة. فارتباط الحزب بجماعة مصنفة إرهابية في دول الإقليم، وقريبًا في الولايات المتحدة، جعله شبه معزول سياسيًا وشعبيًا، ومع انكشاف دوره في عرقلة الحرب ضد الحوثيين وإدارة صراعات داخل الشرعية بدلًا من مواجهة الانقلاب، أصبح الإصلاح في نظر كثير من اليمنيين جزءًا من الأزمة وليس طرفًا في الحل.

لم يعد للمشهد الحزبي اليمني أي حضور حقيقي، سواء في الجنوب أو الشمال، عشرات الأحزاب التي ملأت الساحة لسنوات انتهى دورها بمجرد توقف الدعم الخارجي، ولم يعد لها ولاء شعبي أو تأثير في الشارع، بعدما فشلت طيلة 25 عامًا في تقديم أي خدمة للمواطن أو الدفاع عن مصالحه.

لقد انهارت هذه الأحزاب لأنها بنيت على صفقات ومنافع، لا على قاعدة اجتماعية أو رؤية وطنية.

وفي ظل غياب العمل الحزبي المنظم، بات لزامًا على المجلس الانتقالي الجنوبي أن ينشئ منظومة سياسية داخلية جامعة تشمل المكونات الجنوبية كافة، وتعيد صياغة العلاقة بين المجتمع والمؤسسات. فالانتقالي ليس مجرد كيان سياسي، بل مشروع دولة، وعليه أن يوفر إطارًا سياسيًا يسمح بالمشاركة، ويمنع تكرار أخطاء المركزية المفرطة التي أسقطت الدولة اليمنية السابقة.

إن أولى خطوات بناء الدولة تبدأ من القضاء والتعليم؛ فالقضاء النزيه المستقل هو أساس الأمن والاستقرار، والتعليم هو قاعدة النهضة الاقتصادية والاجتماعية، ومن دون إصلاح هذين القطاعين سيبقى أي إنجاز سياسي هشًّا وعرضة للانهيار. فالجنوب بحاجة إلى قضاة محميين من التدخلات، وإلى مدارس وجامعات تعمل وفق معايير حديثة، قادرة على تخريج جيل يبني لا يهدم.

المعركة الاقتصادية لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية. وعلى سلطة الجنوب أن توفر بيئة آمنة للتجار والمستثمرين، تضمن انتقال الأموال بسهولة وحماية الممتلكات، وإلغاء الجبايات التي أرهقت القطاع الخاص وأعاقت نموه، فالاقتصاد لا ينهض بوجود عشرات النقاط التي تستنزف موارد التجار دون مقابل، بل ينهض بقوانين واضحة وضمانات قوية وقضاء تجاري سريع وكفؤ.

يتطلب النهوض الاقتصادي إعادة هيكلة منظومتي الضرائب والجمارك بما يضمن الشفافية ويوقف الهدر والفساد، فإصلاح هذه المنظومة سيؤدي إلى توفير موارد ثابتة للدولة، ويعزز قدرة الحكومة على دفع الرواتب، وتحسين الخدمات، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية. هذه الخطوات إذا نُفذت بجدية ستخلق ثقة محلية ودولية بقدرة الجنوب على إدارة اقتصاده.

الجنوب ليس معزولًا عن محيطه، فالعلاقة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تمثل محورًا أساسيًا لاستقرار الجنوب ودعمه سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. كما أن بناء علاقات متوازنة مع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن يعزز فرص الجنوب في الحصول على اعتراف دولي عندما يكتمل بناء مؤسسات الدولة.

إن الانتصارات العسكرية التي حققها الجنوب تمثل خطوة مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق، فالعالم لن يمنح الاعتراف لدولة لا تمتلك مؤسسات أو قوانين أو اقتصادًا مستقرًا. ومن هنا فإن البدء الفوري في بناء الدولة هو الطريق الأقصر نحو الاعتراف الدولي.

هذه اللحظة قد لا تتكرر، والجنوب قادر اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على صياغة مستقبله بيده.

ضعف الأطراف المعارضة لمشروع استعادة دولة الجنوب وحدة لا يكفي لإعلان الاستقلال، فقد يساعد هذا العامل في البداية عند إعلان الاستقلال لكنه لن يضمن دولة جنوبية آمنة ومستقرة ومحصنة من كل عوامل الانهيار الداخلي أو التهديدات الخارجية؛ لهذا فالدولة الجنوبية المنتظرة بحاجة إلى عوامل أكثر قوة تكمن في الكيان الجنوبي ذاته لا في العدو ولا خارج الحدود. عوامل لن توجد وتتحقق إلا بتمتين الجبهة الداخلية والعمل على تماسك النسيج الاجتماعي وذلك من خلال شراكة سياسية فاعلة تكون فيها كل مناطق الجنوب ممثلة في هيئات الحكم وفي مؤسسة الأمن والجيش مع إعطاء مساحة واسعة للحكم المحلي، ضف إلى ذلك فإن تماسك الدولة الوليدة يتطلب عدالة اجتماعية حقة وسن قوانين وتشريعات تعالج أخطاء الماضي بمسؤولية وطنية وتؤسس لقضاء مستقل نزيه يكون كل أبناء الجنوب أمامه متساوين، قضاء له السلطة العليا في ضمان الحقوق وانتزاعها من أي كان.

تحتاج الدولة الجنوبية المنشودة أيضًا إلى جهاز أمني محترف بكوادر مؤهلة وجيش وطني منزّه من هفوات الماضي، مع إعطاء حيز واسع لحرية التعبير والنشاط المدني، والعمل أيضًا على مقت وتجريم القبضة البوليسية التي سادت الجنوب في عهد الدولة السابقة وسببت جراحًا في قلب المجتمع لا تزال بعض آثارها ربما باقية حتى اللحظة.