“اليوم العالمي للطفل” الطفولة المذبوحة على أعتاب ضمير العالم في اليمن
د.علي حسن الخريشي

في “اليوم العالمي للطفل” الذي يصادف 20 نوفمبر/ تشرين الثاني، وهو اليوم الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة إعلان حقوق الطفل عام 1959، واتفاقية حقوق الطفل عام عام 1989، يجتمع العالم لإحياء صوت الفئات الأكثر هشاشة وهم الأطفال ، وفي مثلة هذا اليوم يقف طفل اليمن على مسرحٍ تُمزّقه قذائف الحرب وغبار الإهمال، شاهداً، لا على براءته المعهودة، بل على تاريخٍ أسودَ يُسطَّر بدمه المسفوك. إنها ليست مجرد أرقام تُحصيها التقارير الحقوقية، بل شظايا روحٍ يمنيةٍ مُهشَّمة، ونداءٌ حادٌّ يخرق صمت العواصم الكبرى، صرخةٌ ترفض أن تكون مجرد إحصائية عابرة في نشرات الأخبار.
في عتمة العشر سنوات الأخيرة، سجل القيد الحقوقي لأطفال اليمن أكثر من ثمانية وعشرين ألف جريمة وانتهاك، ارتكبتها أيدي الميليشيات الإرهابية. هذه الميليشيات لم تكتفِ بسرقة الخبز والدواء، بل امتدت يدها لتسرق اللعبة، والكتاب، والأهم من ذلك كله، سرقت الأمان. لقد ارتقت الجريمة إلى مرتبة الإبادة الصامتة؛ حيثُ تحوّل أربعة آلاف وخمسمائة وخمسة وتسعون طفلاً إلى شهداء، وستة آلاف وثلاثمائة وسبعة عشر آخرين إلى أجسادٍ مثخنة بالجراح، تروي كل عاهة فيها قصة قذيفة حوثية غاشمة.
لكنّ الفظائع الأكثر إيلاماً هي تلك التي تتعلق بكرامة الروح قبل الجسد. ففي قلب هذا الركام من الانتهاكات، تبرز جريمةٌ لا تُغتفر ولا يُمكن للكلمات أن تحمل ثقلها ثلاث وخمسون جريمة اغتصاب موثّقة بحق أطفال. هذا الرقم ليس مجرد نقطة في سطر، بل هو خنجرٌ مسمومٌ يطعن في قلب الإنسانية، جريمةٌ لا يستطيع العقل السوي أن يتصورها، نفذتها أيادٍ تجرّدت من كل معاني الشرف والرحمة.
ناهيك عن مصير الأطفال الذين زُجّ بهم في غياهب السجون. مائة وسبعة عشر طفلاً تعرضوا للتعذيب الوحشي في معتقلات الميليشيا، قضى منهم تسعة أطفال تحت سياط الجلاد، فيما تحوّل غيرهم إلى أوراق ابتزاز لإذلال عائلاتهم. هذه الممارسات لا تمثل مجرد انتهاكات للقانون الدولي؛ بل هي أعمال إرهابية ممنهجة تستهدف تكسير العمود الفقري للمجتمع.
أما تجنيد الأطفال، فهو الجرح النازف الذي لن يندمل. لقد اعترفت الميليشيات نفسها بمقتل ستة آلاف وسبعمائة وثمانية وعشرين طفلاً مجنداً في ساحات القتال، تحوّلوا من مقاعد الدراسة إلى وقود للمدفعية، بعد أن غُسلت أدمغتهم بمفاهيم التطرف واستغلال فقرهم المدقع. إن تحويل المدارس إلى ثكنات، وحرمان أربعة ملايين ونصف المليون طفل من حقهم في التعليم، ليس إلا تدميراً متعمداً لمستقبل اليمن بأكمله.
إن هذا السجل الأسود ليس مسؤولية الحوثيين وحدهم. بل هو وصمة عار على جبين كل قوة فاعلة في العالم، وكل منظمة أممية ترفع شعار حماية حقوق الطفل ثم تقف صامتة ومتخاذلة أمام هذه الفظائع.
إلى المجتمع الدولي، وإلى الأمم المتحدة، وإلى كل ضمير حي:
كفى صمتاً!
نحن ندعو إلى إدانة حاسمة لا تقبل التأويل، وإلى تحرّك دولي جاد لا يعرف التردد. يجب أن تُفعّل كافة الآليات القانونية الدولية لمحاسبة هذه الميليشيات على جرائمها ضد الإنسانية. يجب ألا يُسمح أبداً لأي طرف باستخدام الأطفال كدروع بشرية أو كوقود للحرب.
لتكن حماية طفولة في اليمن هي البوصلة الأخلاقية التي تحدد مصداقية المنظومة الدولية بأسرها.
لا يمكن أن يمرّ الاغتصاب، أو التجنيد القسري، أو التعذيب، أو القتل الممنهج، دون مساءلة فورية وحاسمة. إن استمرار الصمت يعني أنكم شركاء، بالتقاعس، في جريمة سرقة مستقبل جيل بأكمله.
يجب أن يُعاد للأطفال حَقُهم في البراءة، والحياة، والتعليم، والأمان. اليوم، وقبل الغد، يجب أن تتوقف هذه المجزرة بحق الطفولة في اليمن.



