مقالات

ياجماعة الخير العقل زينة..كيف اصبحت عقولنا مرتعا للشائعات

د. علي حسن الخريشي

ارسل اليا معلما رسالة يسألني هل صحيح بيجيبوا معلمين اجانب ورواتبهم من الف دولار !؟
وهذا كان ردي له.
*يا جماعة الخير.. العقل زينة كيف أصبحت عقولنا مرتعًا* للشائعات؟
“الجنان يشتي له عقل يا جماعة”… كلمات بسيطة وعميقة تلخص حالنا اليوم. لقد لمست وتراً حساساً يا صديقي، ووخزت جرحاً نازفاً في جسد مجتمعنا الذي أنهكته الصراعات، وها هو اليوم يواجه حرباً من نوع آخر، حرباً لا تُستخدم فيها المدافع، بل المنشورات والأخبار الزائفة، وقودها عواطف الناس، وضحاياها عقولهم وثقتهم ببعضهم البعض.
تساؤلك في محله، وهو صرخة العقل في زمن الضجيج: “لماذا أصبح الناس يصدقون كل ما يُنشر في مواقع التواصل، حتى وإن كان لا يصدقه المنطق والعقل؟”.
إن القصة التي ذكرتها عن منشور محافظ عدن والمعلمين الأجانب ليست إلا مثالاً صارخاً لسمٍ يُبث يومياً في شرايين مجتمعنا الرقمي. منشور مصمم بذكاء خبيث، يلامس جرحاً حقيقياً ومطلباً مشروعاً للمعلمين الذين يعانون من ظروف معيشية قاسية، ثم يصب عليه زيت الغضب والكراهية، مستغلاً أوجاع الناس ليحولها إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية وزعزعة ما تبقى من استقرار.
الهدف واضح، كما أشرت، وهو إجهاض أي خطوة إيجابية، وخلق حالة من العداء بين المعلم والسلطة، حتى وإن كانت تلك السلطة تسعى جاهدةً -رغم شح الإمكانيات- لتقديم ما يمكن تقديمه. فالغاية ليست مصلحة المعلم، بل إثارة الفوضى وتعميق الانقسامات.
فلماذا نصدق الكذبة ونهجر الحقيقة؟
الأمر ليس سذاجة محضة بقدر ما هو مركب من عوامل نفسية واجتماعية خلقتها سنوات الحرب والأزمات. لقد أصبحنا، للأسف، أرضاً خصبة لنمو الشائعات للأسباب التالية:
عندما تتآكل الثقة بين المواطن ومؤسساته، يمتلئ ذلك الفراغ بأي صوت، حتى وإن كان صوت كاذب. تصبح الشائعة هي “الحقيقة البديلة” في ظل غياب المعلومة الرسمية السريعة والشفافة.و مصممو هذه الشائعات محترفون في مخاطبة عواطفنا لا عقولنا. هم يعرفون مقدار الألم والغبن الذي يشعر به المعلم، فيقدمون له “عدواً” واضحاً يصب عليه جام غضبه. في لحظة الغضب، يتوارى المنطق ويسيطر الانفعال.و في عالم اليوم، أصبحت الكذبة تطوف العالم قبل أن تنهض الحقيقة من فراشها. نقرة زر واحدة كفيلة بتحويل إشاعة إلى “خبر عاجل” يتداوله الآلاف دون أدنى محاولة للتحقق. أصبحنا “ناشرين” قبل أن نكون “قارئين واعين”.
يا صديقي، وكل من يقرأ هذه الكلمات، إن الدفاع عن مجتمعنا يبدأ من الدفاع عن عقولنا. قبل أن تضغط زر المشاركة، أو تكتب تعليقاً يملأه الغضب، توقف لحظة واسأل نفسك:
هل هذا منطقي؟ هل من المعقول في ظل الظروف الاقتصادية الطاحنة التي تعصف بالبلاد، أن يتم استقدام معلمين من الخارج براتب ألف دولار، بينما أبناء الوطن أولى بهذه الفرص وبأقل من هذا المبلغ بكثير
هل الخبر منشور في وكالة أنباء رسمية وموثوقة؟ أم على صفحة مجهولة الهوية هدفها حصد الإعجابات وإثارة الجدل؟
ما هو الهدف؟ من المستفيد من نشر هذا الخبر؟ هل هو المعلم المغلوب على أمره؟ أم جهة تسعى لخلق البلبلة وتقويض أي محاولة للحل؟
إن العقل الذي وهبنا الله إياه ليس مجرد أداة لتلقي المعلومات، بل هو ميزان لوزنها، وفلتر لتنقيتها. دع عقلك يكون حارسك الأمين على بوابة قناعاتك. لا تسمح لأحد أن يلقي فيه بقمامة الأكاذيب والأضاليل.
تذكروا دائماً، إن بناء الأوطان يبدأ من بناء وعي الإنسان. وكلما كنا أكثر وعياً وقدرة على التمييز، كلما فوتنا الفرصة على أولئك الذين يعتاشون على الفتن ويتلذذون بآلامنا. “خليك عاقل”، ليست مجرد نصيحة، بل هي طوق النجاة في هذا البحر المتلاطم من الفوضى الرقمية.
Images (56)