مقالات

أنور العمري من متاريس الشرف إلى بناء الاقتصاد،ثم إلى وزارة الاوقاف سيرة قائد استثنائي .

علي حسن الخريشي

أنور العمري من متاريس الشرف إلى بناء الاقتصاد،ثم إلى وزارة الاوقاف سيرة قائد استثنائي .

تنزيل (23)

بقلم: علي حسن الخريشي

في مسيرة الأوطان التي تعصف بها الأزمات، تبرز قاماتٌ تُجسّد معنى القيادة الحقيقية، شخصياتٌ لا تُصنعها المناصب بل تصنع هي قيمة المنصب الذي تشغله. وفي تاريخ الجنوب الحديث، الذي كُتبت فصوله بالدم والتضحيات، يبرز اسم العميد أنور علي يحيى العمري كنموذج فريد للقائد الذي جمع بين الصلابة في الميدان، والنزاهة في الإدارة، والحكمة في القيادة.
لم يكن اسم أنور العمري وليد الصالونات السياسية أو التقارير المكتبية، بل صُقل في ميادين الشرف والبطولة. فمع اندلاع المواجهات ضد الميليشيات الحوثية عام 2015، كان العمري أحد أبرز القادة الميدانيين الذين هبّوا للدفاع عن الأرض والعقيدة في واحدة من أشرس الجبهات، جبهة ردفان-العند. هناك، بين لهيب المعارك وغبار المتاريس، لم يكن مجرد قائد يصدر الأوامر، بل كان مقاتلاً في الصفوف الأولى، يشارك رجاله أهوال الحرب وقسوتها، حتى اختلط دمه بتراب الوطن جريحًا، شاهدًا على تضحيته وعمق انتمائه.
عرفه رفاق السلاح قائدًا جسورًا، ورجلًا يتحلى بأخلاق رفيعة وكاريزما قيادية نادرة، وقدرة عجيبة على العمل تحت أقسى الظروف وأصعبها. هذه السمات لم تكن لتخبو بانتهاء المعارك، بل كانت الأساس الذي بنى عليه مرحلة جديدة من العطاء والبناء.
مرحلة البناء: المؤسسة الاقتصادية العسكرية.. إنجاز من رحم المستحيل
عندما أُسندت إليه مهمة إدارة المؤسسة الاقتصادية العسكرية (فرع عدن)، كانت المؤسسة كيانًا منهكًا، أثقلته سنوات الإهمال والفساد، ولم يبق منه إلا الاسم ومبانٍ خاوية. تسلّم العميد العمري المسؤولية وهو يدرك حجم التحدي، لكنه راهن على عزيمته التي لم تلن في ميادين القتال.
بدأ العمل من درجة الصفر، مسلحًا بالنزاهة والجدية اللتين عُرف بهما. لم تكن مهمته مجرد إدارة روتينية، بل كانت معركة من نوع آخر، معركة ضد الفساد، وضد ثقافة اليأس، ومن أجل إعادة الروح لمؤسسة حيوية أُنشئت لخدمة القوات المسلحة والمجتمع. وخلال فترة وجيزة، تحققت إنجازات فاقت التوقعات:
1. استعادة الأصول المنهوبة: نجح في قيادة جهد كبير لاستعادة ما يقارب 85 منشأة وقطاعًا تابعًا للمؤسسة، والتي كانت قد نُهبت أو تم الاستيلاء عليها، ليعيدها إلى حضن الدولة.
2. إعادة هيكلة وتفعيل: عمل على إعادة هيكلة القطاعات المختلفة للمؤسسة (قطاع الملح، الإنشاءات، النجارة، الاستيراد والتسويق وغيرها)، وتفعيل دورها الإنتاجي والخدمي.
3. دعم القطاع الصحي العسكري: إدراكًا منه لأهمية الرعاية الصحية لرفاق السلاح، أولى العميد العمري اهتمامًا خاصًا لمستشفى عبود العسكري. حيث قادت المؤسسة تحت إدارته مشروعًا كبيرًا لإعادة تأهيل وترميم المستشفى وتزويده بالمعدات الطبية اللازمة، ليعود إلى تقديم خدماته الحيوية لأفراد القوات المسلحة والأمن وأسرهم بعد أن كان منسيًا.
4. تحقيق الاستقرار المالي والإداري: بفضل إدارته الحكيمة والنزيهة، استطاع تحقيق الانضباط المؤسسي والمالي، وتحويل المؤسسة من كيان خاسر إلى مؤسسة فاعلة تسهم في دعم الاقتصاد الوطني.
5. خدمة المجتمع: لم يقتصر دوره على الجانب العسكري، بل سعى لتفعيل دور المؤسسة في خدمة المجتمع عبر توفير سلع استهلاكية بأسعار منافسة والمساهمة في استقرار السوق المحلية.
لقد أثبت العميد العمري أن القيادة العسكرية الناجحة عندما تقترن بالنزاهة والفكر الإداري، قادرة على تحقيق المعجزات في أصعب البيئات الاقتصادية.
إلى رحاب وزارة الاوقاف
ثقة متجددة في قائد استثنائي
لم يكن مستغربًا أن تمتد الثقة في هذه الشخصية الوطنية لتشمل مهام جديدة. فجاء تعيينه نائبًا لوزير الأوقاف والإرشاد تتويجًا لمسيرة حافلة بالعطاء، ونقلاً لنجاحاته من ميدان الاقتصاد إلى ميدان الفكر والوعي والإرشاد الديني. وهو ميدان لا يقل أهمية عن سابقه في معركة بناء الإنسان وتحصين المجتمع ضد الأفكار المتطرفة والدخيلة.
إن سيرة العميد أنور العمري تقدم درسًا بليغًا في أن الرجال الحقيقيين هم رصيد الأوطان في أوقات المحن. فهو القائد الذي لم يترك الجبهة حين كان نداء الواجب في الميدان، وهو الإداري النزيه الذي أعاد بناء مؤسسة من العدم وأحيا صروحًا خدمية كبرى، وهو اليوم المسؤول الذي يُؤتمن على أحد أهم منابر التوجيه في المجتمع. مسيرةٌ تؤكد أن القيادة ليست مجرد منصب، بل هي فعلٌ وتضحية وإنجاز، وأن أنور العمري هو بحق نموذج للقائد الذي تحتاجه الجنوب في حاضرها ومستقبلها.